المقالات والسياسه والادب

مضائق رقمنةوانتحاب هوية وشراك سيبراني وخراب وعي بدهاليز الممر السابع والثلاثين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
تتناثر الحكايات في الممر السابع والثلاثين من جديد بعد أن طال الصمت في دهاليز الممر السادس والثلاثين ذلك الممر الذي كان شاهدا على صعود اللامستحق واحتضار الهوية في حضرة البيروقراطية المقدسة هنا لا أحد يمر عابرا فكل من تطأ قدماه هذا الممر لا يخرج كما دخل شيء ما يتغير في داخله بين اعوجاج ولا مبالاة بين قلة وعي وربما إدراك متأخر أو سؤال يتسلل خلسة إلى العقل أين نحن من كل هذا
في هذا الممر لا يعلو صوت المجاملة بل تتحاور العقول ويعلو صوت الصدق ليخرج حديث صريح عن أخطر التهديدات التي تداهمنا في صمت عن استغلال المنصات الرقمية والعملات المشفرة في عمليات غسل الأموال عن شركات تتخفى خلف الشاشات وتستبيح القوانين بنقرة زر عن وهم التربح السريع واستغلال الجهالة وفقر الفكر وغياب الحد الأدنى من الوعي
في أحد المقاهي جلس إلى جواري شابان يتبادلان حديثا قال الأول إن البتكوين كان يوما رمزا للتحرر من القيود البنكية لكنه اليوم أصبح وسيلة مفضلة لشبكات الجريمة لتمرير الأموال بعيدا عن أعين الدولة فرد عليه الآخر قائلا إن شركات التداول الكبرى تحولت إلى ملاذات آمنة للمشتبه بهم خاصة في ظل ضعف الرقابة أو غيابها تماما
هنا تدخلت قائلا كنا نحاصر الأموال بالأدلة والوثائق واليوم نطاردها في محافظ إلكترونية مخفية خلف جدران تشفير لا ترى ولا تلمس كيف نراقب أموالا تنتقل من قارة إلى أخرى في ثوان معدودة دون أن تترك أثرا سوى رقم على شاشة رقم في طياته غسيل أموال وإرهاب رقمي وتلاعب باقتصادات وحكومات وهويات دول
اقتربت منا باحثة اقتصادية جذبتها أطراف الحديث فقالت إن الأساليب التقليدية في غسل الأموال أصبحت بدائية مقارنة بما يحدث اليوم حيث يمكن تبييض ملايين الدولارات عبر سلسلة من المحافظ الرقمية دون أن يتمكن أحد من تتبع الأصل أو كشف الوجهة وأضافت أن شركات التداول غير المرخصة باتت خطرا عابرا للحدود كفيروس لا يعترف بجنسية ولا قانون ولا قيمة ولا أيديولوجيا
رفع أحد الحضور صوته متسائلا كيف نحمي أنفسنا من هذا السرطان الرقمي ردت الباحثة بثبات نحتاج إلى وعي جماعي وتعاون دولي وتشريعات ذكية تلاحق التقنية بندية لا بخوف فالمشكلة ليست في العملة بل في من يستخدمها وكيف تدار وتوظف وأكدت أن الحكومات التي لم تدرك بعد أهمية ضبط المنصات الرقمية ستدفع ثمنا باهظا في أمنها القومي واقتصادها ومستقبل أجيالها
وفي زاوية معتمة تحدث خبير في الأمن السيبراني أمام جمهور صغير قال إن علينا أن نتوقف عن مطاردة الأشباح ونبدأ ببناء أنظمة حماية حقيقية لا تتعامل مع البتكوين كعدو بل كواقع يجب فهمه وضبطه ومساءلته وأضاف أن بعض المنصات تروج لنفسها باعتبارها حرة ولامركزية وتدعي أنها مؤهلة كبنوك استثمار لكنها تعمل في الحقيقة خارج كل إطار أخلاقي وتستفيد من غياب القانون أكثر مما تخدم الحرية
تمر اللحظات في هذا الممر لا على وقع موسيقى بلا معنى ولا على تشدقات أدعياء الكتابة ولا على شعارات مزيفة ولا على أوهام تباع لمغيبين أمام لياقات مجالس متنوعة الأهلية بل على وقع أسئلة حقيقية تبحث عن إجابات وعن وعي لا يخشى المواجهة ولا يهرب إلى مؤتمرات مزخرفة ولا مهرجانات ممولة ولا شهادات مزورة ولا حضور مغيب فاقد لأدنى درجات الفكر في هذا الممر لا أحد يصفق للزيف ولا يركض خلف شعارات جوفاء بل تنكشف الأقنعة وتظهر ملامح الواقع كما هي
رسالة هذا الممر واضحة لكل من يحمل أدوات العقل لا مجال للمساومة حين يتعلق الأمر بمصير وطن لا وقت للانتظار حين تصبح المنصات أخطر من الأسلحة وأذكى من القوانين لا مكان للمجاملات حين تتحول العملات الرقمية إلى أبواب خلفية لخراب لا يرى بالعين المجردة وحين يمرر الوعي الجمعي من غسيل عقول الي غسيل أموال
أيها السائرون في الممر السابع والثلاثين لا تجعلوه مرورا عابرا بل اجعلوه نقطة انطلاق لا تكتفوا بالمراقبة بل انخرطوا في المواجهة لا تسيروا خلف الضوء بل اصنعوه بأنفسكم فالممرات لا تبنى بالرغبة بل بالإرادة ولا تحمى بالشعارات بل بالمعرفة ولا تصمد بالأمنيات بل بالوعي وعلى من جاءت خطوته عكس الاتجاه أن يستعيد عقله قبل أن تبتلعه العتمة
ربما لا يزال الممر طويلا وربما يتخفى الخطر في ثوب الحداثة وربما تسعى قوى كثيرة لإبقاء الفساد متخفيا خلف الشاشات لكن ما دامت العقول تفكر والأيادي تبني والكلمة تكتب فالأمل باق والممر شاهد وأنتم الحكم
الي الممر الثامن والثلاثين
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

مقالات ذات صلة