المقالات والسياسه والادب
حقيقي أقدار بقلم / انتصار محمد صديق

حقيقي أقدار
عبد الحليم حافظ غنى مرة بعض الكلمات وللأسف الكلمات خاطئة كليًا، لكن وعلى نياتكم ترزقون. أو عبد الحليم غناها بصيغة تناسب كلمات الأغنية نفسها.
التحدي الكبير للوصول لمحبوبته عندما قال في مقطع “قدرًا أحكم الخطاه حاشا لله حتى في الكتابة” ومقطع آخر “لا هسلم بالمكتوب ولا هرضى أبات مغلوب” وآخر “واهي دنيا بتلعب بينا”.
أعتقد كلنا عند هذه الجمل تحديدًا نستغفر الله على الفور. لو بعاطفة للدفاع عن عبد الحليم يبقى كسب ثواب كبير، إنه جعل كل من يسمعها يستغفر الله. مجرد مزحة من كاتبة على يقين أن عبد الحليم غناها بواقع كلمات الأغنية فقط، والله وحده عنده العفو والمغفرة.
كلنا بيمر علينا وقت في لحظة ضعف، وربنا يعفو عنا. لو القدر أهدانا شيء لم يكن بالحسبان، بنضعف ونقول ليه اشمعنا أنا وليه حياتي كده وليه الحزن ليه. كتير بيغلط بالكلمات دون أن يقصدها حرفيًا، هي مجرد تعبيرًا عن الحالة حرفيًا وقتها.
لكن كلنا نعلم نحن مسيرون ولسنا مخيرون. إنها أقدار ثابته مكتوبة.
تحضرني قصة كان هناك مليونير في أحد السجون على جزيرة نائية محكومًا عليه بالإعدام لجريمة قتل قام بها. ولأنه غني وغناه غني فاحش، فقد قرر رشوة حارس السجن ليتم تهريبه من جزيرة السجن بأي طريقة وبأي ثمن.
أخبره الحارس أن الحراسة مشددة جدًا وأنه لا يغادر الجزيرة أحد إلا في حالة واحدة وهي الموت! لكن إغراء الملايين التي وعده بها جعلت حارس السجن يريد أن يعمل حيلة غريبة للهرب.
قال الحارس: “الشيء الوحيد الذي يخرج من جزيرة السجن بلا حراسة هي خشبة الموتى. يضعونها على سفينة وتنقل مع بعض الحراس إلى الأرض اليابسة ليتم دفنها بالمقابر بسرعة مع بعض الطقوس البسيطة ثم يرجع الحراس إلى السجن لممارسة عملهم. التوابيت تنقل يوميًا في العاشرة صباحًا في حالة وجود موتى”.
الحل الوحيد هو أن تضع نفسك في أحد التوابيت مع سجين ميت. وحين تصل حافه الارض ويتم دفن التابوت، سآخذ هذا اليوم إجازة طارئة وآتي إليك بعد نصف ساعة لإخراجك من التابوت وإخراجك من تحت الأرض. بعدها تعطيني ما اتفقنا عليه وأرجع أنا للسجن وتختفي أنت. ومستحيل أحد يعلم الحقيقة وستظل لغز أمام الجميع كيف اختفيت وهذا لن يهم أحدًا بعد فترة.
ما رأيك؟ طبعًا فكر صاحبنا أن الخطة عبارة عن مجازفة مجنونة، لكنها تظل أفضل من الإعدام بالكرسي الكهربائي! المهم أنه وافق. وأتفقا على أن يتسلل لغرفة التوابيت ويرمي نفسه بأول تابوت غدًا.. هذا إن كان محظوظًا وحدثت حالة وفاة.
في اليوم التالي، ومع فسحة المساجين الاعتيادية بالفناء، توجه صاحبنا لغرفة التوابيت.. ووجد تابوتين من حسن حظه.. أصابته الهلع من فكرة الرقود فوق ميت لمدة ساعة تقريبًا.. لكن مرة أخرى حب البقاء.. لذلك فتح التابوت ورمى نفسه مغمضًا عينيه حتى لا يصاب بالرعب.
أغلق التابوت بإحكام وانتظر حتى سمع صوت الحراس يقومون بنقل التوابيت لسطح السفينة.. شم رائحة البحر وهو في التابوت وأحس بحركة السفينة فوق الماء.. حتى وصلوا الأرض اليابسة.. ثم شعر بحركة التابوت وتعليق أحد الحراس، بدأ يمل. مرت ١٠ دقائق أخرى.. الأكسجين على وشك الانتهاء.. وذلك الغبي لم يأت بعدها.
سمع صوتًا بعيدًا جدًا.. تسارع نبضه.. لا بد أنه الحارس. أخيرًا..! لكن الصوت تلاشى.. شعر بنوبة من الهستيريا تجتاحه. ترى هل تحركت الجثة.. صور له خياله أن الميت يبتسم بسخرية.
تذكر أنه يمتلك كبريت في جيبه. ربما الوقت لم يمر بعد، ولكن رعبه هيأ له أن الوقت مر بسرعة.. أخرج الكبريت ليتأكد من ساعة في يده.. لا بد أنه لازال هناك وقت! أشعل عود كبريت وخرج بعض النور رغم قلة الأكسجين.. لحسن حظه.. قرب الشعلة من الساعة.. لقد مرت أكثر من خمس وأربعين دقيقة! هو الهلع إذن.. خطر له أن يرى وجه الميت الذي ظن أنه يبتسم له .. التفت برعب وقرب الشعلة.. ليرى آخر ما كان يتوقعه في الحياة.. وجه الحارس الذي كان ينتظر أن يفك أسره.


