المقالات والسياسه والادب

علمتنى آية بقلم ا. سبيله صبح

” يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا”

اصطفى الله عزوجل الأنبياء والمرسلين ليُبلغوا رسالات ربهم ويكونوا مبشرين ومنذرين واصطفى مريم على نساء العالمين وطهرها وكرمها، فدخل جبريل الأمين عليها فى هيئة بشر سوي فاستعاذت بالله منه ، فأجابها أنه رسول من عند الله وبشرها بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، ونفخ الأمين فى جيب درعها ” أى فتحة ثوبها” فوصلت النفخة بأمر الله ورحمته إلى رحم العذراء مريم فحملت بعيسى (عليه وعلى نبينا السلام) بغير زوج لتكون معجزة إلهية شاهدة على عظيم قدرة الله الخالق الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن ؛ فيكون ،فلما حان موعد الولادة ، جاءها المخاض (آلام الطلق) ذهبت إلى مكان بعيد مبتعدة عن قومها فركنت إلى جذع نخلة تستند إليه من شدة الألم والضعف ومع شدة آلام المخاض تمنت مريم لو أنها ماتت قبل الشعور بذلك الألم وقبل أن تضطر لمواجهة قومها بوليدها ومايمكن أن تتعرض له من اتهامات باطلة وهى الطاهرة الشريفة العابدة لربها فقالت : ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا .

ولم يكن الله عزوجل ليترك عباده المصطفين فأتاها فى تلك اللحظة العصيبة نداء من تحتها قيل جبريل وقيل هو عيسى فى المهد ليُطمئن قلبها ” ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا ” وقيل فى تفسيره على أرجح الأقوال أنه نهر أو جدول صغير كان يابسًا فضربه جبريل وقيل عيسى وهو فى المهد بقدمه فأجرى الله فيه الماء وارتوت النخلة وأثمرت وأرطبت ثم يأتيها بعد النهى عن الحزن أمر بأن تهُز إليها بجذع النخلة تساقط عليك رُطبًا جنيًا لم تُفكر مريم فى الأمر من ناحية المنطق الذي يقول كيف لها أن تهُز بضعفها وآلامها التى تُعانيها جذع النخلة الثابت فى الأرض والذى يعجز أشد الرجال أن يُحركها كل مافعلته مريم هو الطاعة ليقينها المطلق بعظمة الخالق وقدرته وهزت جذع النخلة وتساقط الرطب وأكلت وشربت وقرت عينًا بمولودها

ثم أمرها أن تلتزم الصمت عند مقابلة أحد من البشر ولا تقول إلا أنها نذرت الصوم للرحمن فلا تُكلم فى ذلك اليوم أحدًا من البشر .

الدروس والعبر المستفادة :
١- قدرة الله العظيم الخالق : ويتجلى ذلك فى حمل مريم العذراء بعيسى من غير أب فذلك إنما يدل على أن الله يفعل مايشاء ولا يُعجزه شئ فى الأرض ولا في السماء.
٢- تكريم الله للمرأة : حين اصطفى الله مريم واختارها لتكون آية ومعجزة للناس ، مما يدل على قيمة الطُهر والعفاف ومقام الصالحات عند الله تعالى.
٣- وجوب التسليم لله والرضا بقضائه: فقول مريم ” ياليتني مت قبل هذا ” ليس اعتراضًا على قدر الله ومراده ، وإنما هو إظهار لشدة وعِظَمِ البلاء ، فالمؤمن يلجأ إلى ربه فى الشدة والكُرَب ويقول له مايشعر به بتأدب يليق بجلاله .
٤- ضرورة الأخذ بالأسباب مع حُسن الظن بالله و التوكل عليه : فقد أمر الله مريم أن تهُز إليها بجذع النخلة وتأكل الرطب الساقط عليها ، ليُعلمنا أن الأخذ بالأسباب واجب مع الاعتماد على الله.
٥- الصبر على الشدائد : فرغم ما أصابها من آلام المخاض ووحشة المكان ، فقد جاءها فرج من الله فكل شدة يعقبها فرج ويسر من الله.
* عظم مكانة الأم وفضلها:
فنرى فى تجربة العذراء مريم عليها السلام فى آلام الحمل والولادة ما يُبرهن على عظمة الأم وصبرها ،
فقد شبه ألم الولادة بالكرب العظيم ، وقد جعل الإسلام للأم مكانة عظيمة وفريدة ،كما قرن بِرها بعبادته سبحانه ” “واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ” .
كذلك قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ” الجنة تحت أقدام الأمهات ” .
فياليتنا نتعلم من تجربة مريم العذراء ومعاناتها من آلام المخاض ليتنا نُدرك مقدار المعاناة التى تعيشها الأم وقت المخاض تلك الآلام التى دفعت مريم العذراء أن تتمنى الموت ، بل إنها رسالة تذكير لكل ابن وابنة بما تُعانيه الأمهات من آلام ، ومواجهة خطر الموت فى سبيل أن يحظى وليدهم بالحياة .

” فى الختام”

قصة مريم وعيسى عليهما وعلى نبينا السلام ليست مجرد أحداث تاريخية عابرة ، إنما هى دروس وعِبَر متجددة ، تُذَكِّر كل مؤمن أن الكرب يحمل معه الفرج ، وأن رحمة الله تنزل حين تضيق بنا السُبُل ، وهى رسالة وفاء لكل أم تتحمل مالا يُطاق من الآلام فى سبيل أبنائها فياأيها الأبناء رفقًا بأمهاتكم وبِرًا بهن وتذكروا دائمًا كم تحملت أمهاتكم من آلام لتهبكم الحياة ، فالأم ماتعبت وما ضحت إلا لينال أبنائها السعادة والهناء .

ويا أيتها الأمهات رفقًا بأبنائكم فقلب الأم دائما لابد أن يكون مليئًا بالرحمة ولا تدعى أيتها الأم قسوة الحياة تُزيدك قسوة على أبنائك بل كوني ملاذًا رحيمًا ، وسكنًا آمنًا ، وشفاءً لهم من أوجاع الحياة ، وليجدوا عندك وفى حضنك الحنان والراحة التى يفتقدونها مع الجميع .

أسأل الله العلى العظيم أن يرزقنا جميعًا بر أمهاتنا فى حياتهن وبعد مماتهن ، وأن يجعل فى قلوب أمهاتنا لنا الحنان والرحمة والملاذ الآمن من أوجاع الحياة.

مقالات ذات صلة