احتراق كبد

احتراق كبد
لم تمت في لحظة واحدة تلك المرأة
كانت تموت شيئًا فشيئًا يومًا بعد يوم، كلما ابتعد عنها كلما أغلق بابه كلما صمتَ عن الكلام
تسع وثلاثون سنةً من عمرها لم تكن حياة زوجية بل رحلة صبر طويلة في محراب الخذلان
تمسكت بأمل صغير
رغم شعورها بأن قلبه بعيد وأن الوفاء أصبح كلمة غريبة لا يعرفها من حولها
تسع سنوات من الهجران
نامت على طرف سرير بارد
كانت تنتظر ظله بلا جدوى
تربي أبناءه وحدها
بينما كان هو يعطي قلبه ووقته لامرأة أخرى
كانت تغفر بصمت وتسامح في صمت أكبر
تخاف الله أكثر من أي شيء آخر
وتقول في سرها رباه لعل في قلبي خير لا يراه أحد
لكن الخير حين يُضيع يتحوّل إلى ألم يأكل صاحبَه
ومع السنين، بدأ جسدها ينهار كما ينهار بيت مهمل في العاصفة
كبدها أحترق من الكتمان وصدرها ضاق من الخيبات
وحين لفظت أنفاسها الأخيرة لم يكن موتها مفاجئًا
كان نهاية رحلة طويلة من الألم والصبر والانتظار
وعندما بكى لم يكن يبكيها حقًا
بل كان يبكي نفسه حين أدرك أنه خسر الإنسانة الوحيدة التي أحبته رغم كل شيء
لكن الدموع المتأخرة لا تعيد الرحمة لقلب جاف
لم تكن ضعيفة
كانت أنبل من زمنها وأطهر من وجعها
صبرت لأنها خافت الله
وماتت لأنها لم تخف شيئًا سوى الحقيقة
علمتنا قصتها أن الطيبة المفرطة لا تنقذ أحدًا دائمًا
بل يمكن أن تقتل ببطء من يحملها
وأن بعض القلوب لا تعرف الصبر لأنها وُلدت بلا إحساس بغير ذاتها
ومع ذلك، في موته بقيت ذكراها حيّة
وهو ما زال يبكيها
وهي في سلام لم يعرفه هو
سلام وجدته بعد كل الألم الذي عاشته
بقلم الأستاذ / محمد بايزيد / الجزائر



