حين يتحدث التاريخ عن المخلصين

حين يتحدث التاريخ عن المخلصين”
بقلم ا. سبيله صبح
من أعلام الدقهلية” العلامة الشيخ محمد محرز حسن سلامة” ومسيرة عطاء لا تنقطع…….
في زمنٍ تتزاحم فيه الأسماء وتغيب القدوات، يبقى بعض الرجال كنجومٍ تهدي الحائرين وتضيء دروب الباحثين عن الحق، ومن هؤلاء الأعلام فضيلة الشيخ محمد محرز حسن سلامة، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، وعَلَم من أعلام محافظة الدقهلية، الذي وهب عمره للعلم والدعوة والإصلاح.
ميلاده ونشأته
وُلد الشيخ محمد محرز حسن سلامة عام 1918م بمدينة الكردى التابعة لمركز منية النصر ، بمحافظة الدقهلية، في بيئة طيبة احتضنته على حب القرآن والعلم، فكان من أبناء الأزهر الذين تشربوا نور الفهم والفقه منذ نعومة أظافرهم.
مسيرته العلمية والمناصب التي شغلها
بدأ الشيخ مسيرته بتدريس المواد الشرعية والعربية في عدد من دور العلم المرموقة داخل مصر وخارجها، حيث عمل في:
_ المعهد الأزهري بدمياط .
_ المعهد العلمي بمكة المكرمة.
_ مدرسة المقاصد الإسلامية بلبنان.
_ كلية الشريعة بجامعة الملك محمد بن سعود بالرياض .
ولم يقتصر عطاؤه على التعليم فقط ، بل شارك بفعالية في العديد من اللجان والمشروعات العلمية :
_ فكان عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية .
_ كما شارك في مشروع تقنين الشريعة الإسلامية .
_كما عمل في لجنة الفتوى بالأزهر الشريف إلى جانب الشيخ عطية صقر وغيره من كبار العلماء، حيث كان يتولى معهم الإجابة على أسئلة الناس عبر الصحف اليومية، في أسلوب يجمع بين الحكمة والعلم والرحمة.
_ كما أسهم في تحقيق بعض كتب التراث الإسلامي تطوعًا، مثل : (كتاب سبل السلام للصنعاني ، وكتاب الفتن والحوادث للإمام محمد بن عبد الوهاب) ، إضافةً إلى عمله إمامًا وخطيبًا في مسجد الشيخ حسن سلامة، وإقامته العديد من الدروس والندوات الدينية في مختلف أنحاء الجمهورية ، وجميعها أعمالًا تطوعية لوجه الله تعالى.
جهوده في نشر الوعي الديني والإصلاح الاجتماعي
لم يكن الشيخ محمد محرز سلامة مجرد عالمٍ يُدرّس العلم من وراء المنابر، بل كان مصلحًا اجتماعيًا واقعيًا حمل همّ الناس وسعى لتهذيب المجتمع.
حيث اقتلع البدع السيئة من جذورها، واستبدلها بأعمالٍ نافعةٍ تُرضي الله، مثل استبدال الإسراف في السرادقات بالصدقات الجارية، والدعوة إلى الاعتدال وعدم الإسراف في حفلات الزواج.
* واهتم بتثقيف الشباب دينيًا، ودعاهم إلى التمسك بالقيم الإسلامية، ونبذ التقليد الأعمى، كما كانت له بصمة واضحة في تلمس أسباب الإصلاح بين الناس خاصة بين الزوجين.
خدمته لأهل بلدته
رغم مسؤولياته الجسام في ميادين العلم والدعوة، لم ينسَ الشيخ بلدته وأهلها، بل جعل لهم نصيبًا وافرًا من جهده ووقته.
أسس مجمع المعاهد الأزهرية للبنين والبنات (ابتدائي، إعدادي، ثانوي) بمدينة الكردي ،فجنب بذلك أبناء بلدته وبناتها مشقة وعناء السفر لمدينة الجمالية للالتحاق بالمعهد الأزهرى بها ، كما ساهم في إنشاء المدارس والخدمات العامة التي احتاجتها البلدة بشدة.
كان (رحمه الله) منبعًا لا ينضب من النصح والإرشاد، يجتمع بالناس لتعليمهم أمور دينهم في دروس يومية خلال رمضان، ودروس الجمعة، ولقاءات خاصة بالنساء .
صفاته وسيرته بين الناس
اتسم الشيخ رحمه الله بـالتواضع والبساطة، وكان مرجعًا للناس في شؤون دينهم ودنياهم.
وكان يوم الجمعة بالنسبة لأهل بلدته عيدًا حقيقيًا ؛ يجتمعون لسماع خطبته، ثم يتوجهون إلى بيته يعرضون عليه مشكلاتهم، فيكون لهم كالبلسم الشافي بكلماته الطيبة ودعائه الصادق.
خاتمة
رحل الشيخ محمد محرز حسن سلامة عن الدنيا عام 2002م، بعد حياة حافلة بالعلم والعطاء، لكنه ترك وراءه إرثًا علميًا ودعويًا خالدًا، تاركًا بصمات لا تُمحى ، ومدارس من الخير تنبض بالحياة ، رحل وتبعه في قبره الصدقة الجارية ، فمازال مجمع معاهد الكردى يرتفع صوت تلاوة القرآن فيها كل يوم من آلاف الطلاب ، ومازالت أصوات العلم تُدرس فيها وفي المدارس التى شارك في تأسيسها ، رحل وتبعه العلم النافع الذي غرسه في عقول ونفوس كل من تلقى العلم علي يديه أو على يدي أحد طلابه ، رحل وترك الولد الصالح الذي يمشى على خُطى والده ويصله بالدعوات المخلصة بالرحمة والغفران، رحل الشيخ وترك قلوبًا وعقولًا لا تزال تذكره بالدعاء.
رحم الله الشيخ الجليل رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل ما قدّم من علمٍ وعملٍ في ميزان حسناته، ورزقه الله صحبة الحبيب محمد ﷺ في الفردوس الأعلى، وأشربةً هنيئةً لا يظمأ بعدها أبدًا.



