أفرغ روحك قبل هاتفك..بقلم مستشار محمود السنكري

أفرغ روحك قبل هاتفك
بقلم مستشار محمود السنكري
ظهر الإشعار على شاشة الهاتف بلا رحمة “الذاكرة ممتلئة… بعض التطبيقات قد تتوقف عن العمل”
رسالة قصيرة جافة ميكانيكية… لكنها مرايا لعتمة داخلنا،
فجأة.. أدركت أن القلب يعاني من نفس الامتلاء وأن الروح قد وصلت إلى حد الانفجار بينما نحن نصرّ على تجاهل الإشارات الأشد وضوحًا: إشارات الألم، الفقدان، الضياع.
نفوسنا ممتلئة بكل ما لا ينفع، مليئة بما يؤذي: ذكريات مؤلمة تتسلّل كالسم ومشاعر مؤذية تمتص كل ثانية وعادات سيئة تسرق حياتنا، حسدٌ وضغائن تأكل الطاقة من الداخل، أصدقاء سلبيون وعلاقات قاتلة…
كل هذه الأمتعة نجرّها معنا بلا وعي معتقدين أننا نحمي أنفسنا بينما نحن نقتلع حياتنا ببطء.
الإنسان، على عكس الهاتف، لا يُرسل إشعارًا قبل التعطّل.
لا لوحة تحذير، ولا تنبيه عاجل.
الضغط الداخلي لا يظهر إلا في الليل، حين تصبح الوحدة أكثر وضوحًا، حين يتحوّل الفرح إلى طيف بعيد، وحين تصير النفس أسيرة الملفات التي لم تُحذف وأشباح الماضي التي لم تُطرد.
صيانة الهواتف سهلة: ضغطة زر، تفريغ مساحة، إعادة تشغيل.
صيانة الروح تتطلب شجاعة خارقة، مواجهة بلا مساومة، حذف بلا ندم، ترك بلا خوف.
التخلّي ليس ضعفًا بل قوة والفراغ ليس فقدانًا بل فسحة للنور أن يعود والصمت ليس موتًا بل فرصة للمعنى أن يسمع.
نظل نحمل ما لا قيمة له ونسمح لما يؤذينا أن يسيطر وننسى أن الحياة لا تعمل إلا حين نتركها تعمل وأن الروح المثقلة بالضجيج لن تسمع أبداً صوتها الحقيقي.
إذا توقف الهاتف عند امتلاء ذاكرته… فماذا عنك أنت؟
كم من الملفات السامة لا تزال تحتل مكانها فيك؟
كم من الأحقاد لا تزال تمتصك؟
كم من العلاقات الميتة تمنعك من أن تحيا؟
حان وقت الضغط على زر الحذف النهائي.
حان وقت تحرير نفسك من كل ما يثقل روحك.
حان وقت أن تفرغ مساحة داخلية أكبر من أي شاشة… لأن كل ثانية تمتلئ فيها لا تعود.
أفرغ روحك قبل هاتفك…
فحياتك ليست مجرد تطبيق يحتاج تحديثًا..
بل عالم كامل يحتاج تنظيفًا.



