المقالات والسياسه والادب

من وحي الصوم والصلاة

ملفينا توفيق ابو مراد

عضو اتحاد الكتاب اللبنانين

*

“وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حيّة.” ثم أوقع عليه سباتًا عميقًا، وأخذ ضلعًا من أضلاعه وصنع منه امرأة لتكون له معينًا.

عاش آدم وحواء في الجنة في طمأنينة وبراءة، إلى أن دخلت الحية، رمز المكر والإغواء. كانت تلك أول غواية في التاريخ الإنساني:
دعوة إلى تجاوز الوصية الإلهية والأكل من الشجرة التي في وسط الجنة.
ترددت حواء أولًا، إذ كان النهي واضحًا. لكن الإغواء تدرّج، وتجمّل، ادركت بأن الشجرة جيدة للأكل، بهجة للعيون، وشهية للنظر. فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضًا فأكل. كان ذلك أول تحدٍّ صريح لكلام الله.
وعندما سُئل آدم، لم يعترف بخطئه، بل قال: “المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت.”
تبرير أول، وتنصّل من المسؤولية.
وسُئلت المرأة، فقالت: “الحية غرّتني فأكلت.”
تبرير ثانٍ، وإلقاء للذنب على الآخر.
منذ البداية، لم يكن الخطأ وحده حاضرًا، بل كان تبرير الخطأ حاضرًا أيضًا.
ثم تتوالى الأحداث: قايين يقتل أخاه هابيل بدافع الغيرة، ويجيب ببرود: “أحارسٌ أنا لأخي؟”
أول دم مسفوك، وأول قسوة قلب، وأول إنكار للمسؤولية الأخوية.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
هل الإنسان مفطور على الخطأ؟ أم أن الخطأ فعل إرادي يختاره حين يستجيب للإغواء؟
إذا عدنا إلى النص، نجد أن السقوط لم يكن قَدَرًا مفروضًا، بل قرارًا.
الإغواء كان اقتراحًا، أما الفعل فكان اختيارًا.
والتبرير لم يكن ضعفًا عابرًا، بل محاولة للهروب من تحمّل المسؤولية.
الأفكار الخبيثة تسبق الأفعال الشائنة.
والإنسان لا يسقط فجأة، بل يسقط حين يسمح للفكرة أن تنمو، وحين يبرّر لنفسه ما يعلم في داخله أنه خطأ.
نحن نصنع حياتنا بأفكارنا.
وأفكارنا تتشكّل من تربيتنا، ومن البيئة التي نحيا فيها.
فإن كانت بيئة صالحة، غذّت فينا مخافة الله، وطيبة القلب، ونقاء السلوك.
في الصوم والصلاة، ينشغل فكر الإنسان عن الموبقات، ويهدأ صخبه الداخلي.
يتعلّم أن يضبط رغباته، وأن يسمو فوق الإغراء، وأن يميّز بين الحاجة والشهوة، وبين الحق والتبرير.
حين ينساق الإنسان خلف محفزات الترف المادي والفكري، وينسى القيم، ويتخطى ما هو لائق وراقٍ، يسود الخطأ، وتتكاثر الأخطاء، حتى يقع أسير أفعاله.
ما من إنسان إلا وتعرّض لتجربة.
منها ما يعلّمه فيرتقي، ومنها ما يستسلم له فيغوص حتى الثمالة.
وهنا تتحول التجربة إلى إغواء دائم، والإغواء إلى عادة، والعادة إلى قيد.
لكن الصوم والصلاة يذكّران الإنسان بحقيقته الأولى:
أنه خُلق حرًّا، ومسؤولًا، وقادرًا على الاختيار.

فالخطيئة ليست قدرًا محتومًا،

بل قرارًا.

والنجاة تبدأ من فكرة صادقة،

ومن قلب لا يبرّر خطأه، بل الاعتراف به ، و التوبة عنه و الترفع .

مقالات ذات صلة