المقالات والسياسه والادب
العنوان سُكُوتُ الشُّهُود٦

بقلم الكاتبة إيمان نجار صوت الأرض
الشَّخْصِيَّات:
الرَّاوِي
العنوان سُكُوتُ الشُّهُود٦
الطِّفْلَة
الشَّابُّ الأَوَّل
الشَّابُّ الثَّانِي
الرَّاوِي:
فِي مُنْعَطَفٍ مُعْتِمٍ مِنْ مُنْعَطَفَاتِ هَذِهِ المَدِينَةِ،
حَيْثُ تَتَرَاجَعُ الأَضْوَاءُ خَجَلًا، وَتَتَقَدَّمُ الظِّلَالُ بِوَقَاحَةٍ،
كَانَتْ تَمْشِي طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ، تَحْمِلُ فِي يَدِهَا دَفْتَرًا،
وَفِي قَلْبِهَا خَوْفًا أَكْبَرَ مِنْ عُمْرِهَا.
الطِّفْلَةُ (بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ):
أُمِّي قَالَتْ لِي: لَا تَتَأَخَّرِي… لَكِنَّ الطَّرِيقَ قَصِيرٌ…
(تَتَنفس بقوّة)
هَلْ… هَلْ مِنْ أَحَدٍ هُنَا؟
(تُسْمَعُ ضَحِكَاتٌ خَافِتَةٌ)
الشَّابُّ الأَوَّلُ (بِصَوْتٍ سَاخِرٍ):
وَمِمَّنْ تَخَافِينَ يَا صَغِيرَةُ؟ أَلَمْ تَقُولِي إِنَّ الطَّرِيقَ قَصِيرٌ؟
الشَّابُّ الثَّانِي (بِتَرَدُّدٍ):
دَعْهَا تَذْهَبُ فِي سَبِيلِهَا… يَبْدُو أَنَّهَا تَائِهَةٌ وَمُرْتَعِبَةٌ.
الشَّابُّ الأَوَّلُ (بِبُرُودٍ):
الآنَ؟ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ هُنَا؟
(يَقْتَرِبُ مِنَ الطِّفْلَةِ)
لَا تَخَافِي… سَنُوصِلُكِ
الطِّفْلَةُ (بِحَذَرٍ):
أَنَا لَمْ أَضِلَّ… بَيْتِي هُنَاكَ… دَعُونِي أَمْشِي
الرَّاوِي:
إِنَّ الخَوْفَ، إِذَا دَخَلَ قَلْبَ طِفْلٍ، صَارَ أَكْبَرَ مِنَ الطُّرُقَاتِ،
وَأَثْقَلَ مِنَ اللَّيَالِي.
الشَّابُّ الأَوَّلُ (يَهْمِسُ لِلثَّانِي):
نَأْخُذُهَا مِنْ هُنَا… نَدْخُلُ الزُّقَاقَ… هُنَاكَ لَا أَحَدَ
.
الشَّابُّ الثَّانِي (بِاضْطِرَابٍ):
هَذَا جُنُونٌ! إِنَّهَا طِفْلَةٌ! أَتَفْهَمُ مَعْنَى ذَلِكَ؟ طِفْلَةٌ!
الشَّابُّ الأَوَّلُ:
وَمَاذَا فِي ذَلِكَ؟ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ يَصْمُتُ العَالَمُ كُلُّهُ؟
الطِّفْلَةُ :
مَاذَا تَقُولَانِ؟ دَعُونِي! دَعُونِي أَمْشِي
الرَّاوِي:
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، يَقِفُ الإِنْسَانُ عَلَى حَافَّةِ نَفْسِهِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا…
وَإِمَّا أَنْ يَهْوِيَ إِلَى مَا دُونَ الوُحُوشِ.
الشَّابُّ الثَّانِي (بِصَوْتٍ مُتَكَسِّرٍ):
اِسْمَعْنِي… لِنَذْهَبْ… لِنَتْرُكْهَا وَشَأْنَهَا… لَا تُجْبِرْنِي عَلَى هَذَا.
الشَّابُّ الأَوَّلُ (بِحِدَّةٍ):
وَإِذَا تَكَلَّمَتْ؟ إِذَا أَشَارَتْ إِلَيْنَا؟ هَلْ سَتَحْمِينِي عِنْدَهَا؟
الشَّابُّ الثَّانِي:
لَنْ تَتَكَلَّمَ… سَتَنْسَى…
الشَّابُّ الأَوَّلُ:
بَلْ سَنَجْعَلُهَا تَنْسَى كُلَّ شَيْءٍ.
الطِّفْلَةُ (تَصْرُخُ):
لَااااا!أَنَا لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا! أَنَا أُرِيدُ بَيْتِي! خُذُوا حَقِيبَتِي! خُذُوا كُتُبِي! وَلَكِنْ دَعُونِي!
الرَّاوِي (بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ):
الصَّرْخَةُ الَّتِي لَا تَجِدُ أُذُنًا تَسْمَعُهَا،
تَسْقُطُ فِي قَلْبِ الأَرْضِ… وَتُدْفَنُ مَعَهَا الحَقِيقَةُ.
عِنْدَمَا يُفَاوِضُ الطِّفْلُ عَلَى نَجَاتِهِ…
يَكُونُ العَالَمُ قَدْ خَسِرَ مَعْرَكَتَهُ
الشَّابُّ الثَّانِي (بِرُعْبٍ):
مَاذَا… مَاذَا فَعَلْنَا؟
الشَّابُّ الأَوَّلُ:
فَعَلْنَا مَا كُنَّا نَهْرُبُ مِنْهُ مُنْذُ زَمَنٍ.
الرَّاوِي (بِصَوْتٍ قَاسٍ):
هُنَا… لَا نَصِفُ مَا حَدَثَ.
لَا نَحْتَاجُ أَنْ نَصِفَهُ.
يَكْفِي أَنْ نَقُولَ:
إِنَّ طِفْلَةً خَرَجَتْ مِنْ هُنَا… وَلَمْ تَعُدْ هِيَ نَفْسَهَا أَبَدًا.
الشَّابُّ الثَّانِي:
لَا… نَحْنُ دَمَّرْنَاهَا…
الشَّابُّ الأَوَّلُ:
إِنْ تَرَكْنَاهَا هُنَا، فَسَنُدَمَّرُ نَحْنُ أَيْضًا.
الشَّابُّ الثَّانِي:
وَمَاذَا تَقْتَرِحُ؟إنها تموت
الشَّابُّ الأَوَّلُ (بِبُرُودٍ):
نَأْخُذُهَا… وَنَرْمِيهَا فِي مَكَانٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ.
الشَّابُّ الثَّانِي (مُنْهَارًا):
هَذَا قَتْلٌ!
الشَّابُّ الأَوَّلُ:
أَنْتَ شَرِيكِي… شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ.
الرَّاوِي:
هَكَذَا تُولَدُ الجَرِيمَةُ الثَّانِيَةُ:
لَيْسَ فِعْلًا… بَلْ مُوَافَقَةً.
(صَوْتُ سَحْبٍ،موسيقى رعب ،،، صوت انفاس )
الرَّاوِي (الخَاتِمَةُ):
أَخَذُوهَا إِلَى مَكَانٍ مَجْهُولٍ…
وَلَكِنَّ الأَكِيدَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا أَسْمَاءَهُمْ.
لَيْسَ كُلُّ مُجْرِمٍ يَحْمِلُ سِكِّينًا…
بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ صَمْتًا.
وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ بَرِيئًا…
فَبَعْضُ النَّاسِ جَرِيمَتُهُمْ أَنَّهُمْ وَافَقُوا.
سَيَأْتِي يَوْمٌ…
وَتَتَكَلَّمُ الأَمَاكِنُ.
وَعِنْدَهَا…
سَتَنْطِقُ العَتَمَةُ بِأَسْمَائِكُمْ.



