المقالات والسياسه والادب

أخطر حاجة ممكن تحصل في البيوت

أخطر حاجة ممكن تحصل في البيوت

 

كتبت/د/شيماء صبحي 

 

اخطر حاجة ممكن تحصل في بيت مش إن الفلوس تقل ولا إن المشاكل تكتر.. أخطر حاجة إن الحب يموت وهما لسه عايشين تحت سقف واحد

 

عارفين إيه أكتر حاجة بتوجع في العلاقات الزوجية؟ إن اتنين كانوا في يوم من الأيام مش بيقدروا يعدوا يوم من غير ما يسمعوا صوت بعض ولا يطمنوا على بعض ولا يلاقوا حجة عشان يتكلموا مع بعض وفجأة يلاقوا نفسهم عايشين في بيت واحد وكل واحد فيهم في دنيا لوحده

 

الزوج راجع من شغله تعبان والزوجة غرقانة في مسؤوليات البيت والأولاد ومصاريف ومدارس وطلبات ومشاكل مبتخلصش وكل واحد عنده همومه اللي شايلها فوق كتافه ومع زحمة الأيام بيبدأ الكلام يقل والاهتمام يختفي والسؤال عن الحال يبقى مجرد واجب والسلام

 

إنت أكلت؟

الأولاد عملوا إيه؟

دفعت المصاريف؟

هنروح لمين بكرة؟

 

وتتحول الحياة من علاقة فيها حب وونس واحتواء لحياة كلها أوامر ومسؤوليات ومواعيد وطلبات

 

بس محدش بياخد باله إن في حاجة مهمة جدًا بتتسحب من البيت بالراحة من غير صوت ولا خناقة ولا حتى باب بيتقفل بقوة

 

المشاعر بتجف

 

والمشكلة إن جفاف المشاعر مش بيحصل في يوم وليلة لكنه بيبدأ بتفاصيل صغيرة جدًا.. كلمة حلوة اتقالت زمان وبطلت تتقال واهتمام كان موجود وبقى غايب وحضن كان بيطمن القلب وبقى ملوش مكان وسؤال من القلب عن التعب والزعل اتحول لصمت طويل وكل طرف بقى مستني التاني هو اللي يبدأ

 

ومع الوقت الاتنين بيتعودوا على الغياب وهما موجودين ومع إنهم بيناموا في نفس الأوضة وبيفطروا على نفس السفرة وبيشيلوا نفس مسؤوليات البيت إلا إن المسافة اللي بينهم بتكبر يوم بعد يوم

 

وده أصعب بكتير من البُعد الحقيقي لأن اللي بعيد عنك عارف إنه بعيد إنما اللي جنبك ومش حاسس بيك بيخليك تسأل نفسك كل يوم هو إحنا وصلنا لكده إزاي؟

 

البيت مش حيطان وأثاث وأكل وشرب.. البيت مشاعر قبل ما يكون مسؤوليات

 

في أزواج فاكرين إنهم طالما بيوفروا الفلوس وبيصرفوا على البيت وبيتعاملوا باحترام قدام الناس يبقى كده عملوا كل اللي عليهم

 

وفي زوجات فاكرين إن طول ما هي بتطبخ وتنضف وتربي وتذاكر للأولاد وتقوم بكل واجباتها يبقى مفيش حاجة ناقصة

 

لكن الحقيقة إن البيت ممكن يكون كامل من بره ومكسور من جوه

 

ممكن يكون فيه أكل كتير لكن مفيهوش كلمة حلوة وممكن يكون فيه كل وسائل الراحة لكن مفيهوش قلب بيطمن قلب وممكن الأب والأم يكونوا موجودين طول الوقت لكن كل واحد عايش في عزلة عاطفية محدش شايفها

 

مش كل بيت ساكت معناه إنه مستقر ومش كل زوجين مكملين مع بعض معناها إنهم سعداء ومش كل خناقة معناها إن الحب انتهى

 

أحيانًا بيتعب الحب من الإهمال أكتر ما بيتعب من المشاكل لأن المشكلة ممكن تتناقش وتتصلح لكن الإهمال المتكرر بيخلّي الإنسان يفقد رغبته في الكلام والعتاب وحتى في طلب الاهتمام

 

لحد ما ييجي يوم يبطل يشتكي مش لأنه ارتاح لكن لأنه فقد الأمل إن حاجة تتغير

 

والوجع الحقيقي إن الأولاد بيشوفوا كل ده حتى لو محدش حكى لهم

 

الأطفال مش محتاجين حد يشرح لهم إن في مشكلة بين الأب والأم عشان يحسوا بيها

 

الطفل بيلقط نبرة الصوت ونظرة العين وطريقة الكلام والسكوت اللي بيطول والبرود اللي بيملأ المكان وبيحس لما أمه تكون حزينة وأبوه يكون بعيد عنها حتى لو الاتنين بيضحكوا قدامه وبيحاولوا يداروا اللي جواهم

 

ومش معنى كده إن كل طفل عايش مع أبوين مشاعرهم فاترة لازم يتأذى بنفس الدرجة لكن الجو العاطفي في البيت ليه تأثير كبير على إحساس الطفل بالأمان وعلى الطريقة اللي بيتعلم بيها يفهم الحب ويتعامل مع الناس

 

الطفل اللي بيشوف أبوه بيحترم أمه وبيحتويها وبيسمعها بيتعلم إن الرجولة مش سيطرة وإن الحب مش مجرد كلام وإن الاهتمام مش ضعف

 

والطفلة اللي بتشوف أمها بتقدّر أباها وبتتكلم معاه باحترام وبتعرف تعبّر عن احتياجاتها من غير إهانة ولا تقليل بتتعلم إن العلاقة الصحية فيها كرامة وتفاهم وإن الاختلاف مش معناه إن حد يكسر التاني

 

والأجمل من ده كله لما الأولاد يشوفوا أبوهم وأمهم مختلفين لكن بيعرفوا يتكلموا ويرجعوا يتصالحوا ويعتذروا لما يغلطوا ويحافظوا على احترام بعض حتى وقت الزعل

 

ساعتها الطفل بيتعلم درس عمره ما هيتعلمه من ألف محاضرة عن الأخلاق والعلاقات

 

إن الحب مش إننا منختلفش.. الحب إننا نعرف نختلف من غير ما نوجع بعض ونصلح من غير ما نكسر بعض

 

لكن لما الطفل يكبر في بيت مليان تجاهل أو إهانة أو خصام مستمر ممكن يبدأ يفتكر إن ده الطبيعي وإن الجواز مجرد واجبات وإن المشاعر رفاهية وإن الإنسان لازم يستحمل الوجع عشان يحافظ على شكل الأسرة قدام الناس

 

وممكن يكبر وهو مش عارف يعبّر عن حبه أو يطلب احتياجاته أو يثق في اللي قدامه وممكن يكرر نفس النمط اللي شافه في طفولته من غير ما يقصد

 

وطبعًا مش كل طفل بيعيش التجربة دي بيكررها لما يكبر لكن اللي بنزرعه في بيوتنا بيكون جزء من الصورة اللي أولادنا بيبنوا بيها فهمهم للحياة

 

وعشان كده تربية الأولاد مش مذاكرة وأكل ولبس ومدارس وبس

 

تربية الأولاد كمان إنهم يشوفوا قدامهم علاقة فيها مودة ورحمة وأمان

 

والحقيقة المؤلمة إن في آباء وأمهات بيضحوا بكل حاجة عشان أولادهم لكن بينسوا إن من أهم الحاجات اللي ممكن يقدموها لهم إنهم يحافظوا على استقرارهم النفسي والعاطفي ويحاولوا يبنوا علاقة محترمة وصحية بينهم

 

مش مطلوب من الأب والأم يعيشوا قصة حب مثالية ولا يفضلوا طول الوقت مبسوطين ولا يتجاهلوا مشاكلهم عشان خاطر الأولاد لكن المطلوب إنهم مايسمحوش لضغط الحياة يسرق منهم إنسانيتهم تجاه بعض

 

لأن الأولاد مش محتاجين يشوفوا أبوهم وأمهم ملايكة مبيغلطوش لكن محتاجين يشوفوا اتنين بشر بيعرفوا يصلحوا غلطهم ويحترموا اختلافهم ويتحملوا مسؤولية علاقتهم

 

طيب نعمل إيه لما زحمة الأيام تاكل من رصيد الحب؟

 

نرجع نفتكر إن اللي قدامنا ده مش مجرد أب أو أم لأولادنا ده الإنسان اللي اخترناه يومًا عشان نكمل معاه حياتنا

 

نسأل بعض عن الحال بجد مش لمجرد أداء الواجب

 

نسمع بعض من غير ما نحول كل كلام لمشكلة أو محاكمة

 

نقول شكرًا على المجهود اللي اتعودنا عليه لدرجة إننا بقينا مش شايفينه

 

نعتذر لما نغلط بدل ما نعتبر الاعتذار هزيمة

 

نخصص وقت ولو بسيط نقعد فيه مع بعض بعيد عن الموبايلات وطلبات الأولاد ومشاكل الشغل

 

نفتكر إن الكلمة الحلوة مش بتكلف حاجة وإن الاهتمام مش محتاج مناسبة وإن الحضن الصادق ساعات بيعمل اللي الكلام كله مش قادر يعمله

 

وإن الزوجة مش ماكينة شغالة في البيت من الصبح لليل وإن الزوج مش مجرد محفظة بتصرف على الأسرة

 

الاتنين بشر وليهم احتياجات نفسية وعاطفية وليهم لحظات ضعف وتعب واحتياج لحد يطمنهم ويقول لهم أنا حاسس بيك وشايف تعبك ومقدّر وجودك

 

ومهم كمان نفهم إن تجديد الحب مش معناه هدايا غالية ولا سفر ولا خروجات طول الوقت لأن في بيوت بسيطة جدًا لكن فيها دفء يكفي أصحابها وفي بيوت عندها كل الإمكانيات لكن أصحابها محرومين من أبسط إحساس بالأمان والاحتواء

 

الحب بيتجدد في التفاصيل الصغيرة اللي بتقول للطرف التاني إنك لسه مهم عندي وإن وجودك في حياتي مش أمر مفروغ منه

 

ولو الخلافات بقت متكررة أو التواصل بقى مستحيل أو كل محاولة للإصلاح بتنتهي بجرح جديد فطلب المساعدة من متخصص في العلاقات الزوجية ممكن يكون خطوة مهمة لإنقاذ العلاقة وفهم أسباب المشكلة بدل ما نفضل ندور في نفس الدائرة

 

وطبعًا الحفاظ على الأسرة مش معناه قبول الإهانة أو العنف أو التضحية بالنفس مهما حصل لأن الحب الحقيقي محتاج احترام وأمان وحدود واضحة

 

وخلوا بالكم من حاجة مهمة جدًا.. الأولاد مش مسؤولين عن إصلاح العلاقة بين أبوهم وأمهم

 

ماينفعش نحملهم ذنب خلافاتنا ولا نخليهم وسيلة ضغط على بعض ولا نجبرهم يختاروا طرف على حساب التاني

 

مسؤولية العلاقة على الزوجين ومسؤولية حماية الأطفال من صراعات الكبار على عاتق الكبار نفسهم

 

وكل ما كان البيت فيه احترام وتفاهم وأمان كل ما كانت فرصة الأولاد أكبر إنهم يكبروا وهم عندهم صورة صحية عن الحب والارتباط والمسؤولية

 

وفي الآخر عايزة أقول لكل زوج ولكل زوجة

 

ماتخلوش زحمة الحياة تسرق منكم أجمل حاجة فيها

 

ماتخلوش مسؤوليات الأولاد تنسيكم إنكم بشر محتاجين لبعض

 

ماتخلوش السنين تحولكم لشخصين بيقسموا المهام والفواتير ومصاريف البيت من غير ما يقسموا الضحكة والونس والاهتمام

 

افتكروا إن اليوم اللي أولادكم هيكبروا فيه ويستقلوا بحياتهم مش بعيد زي ما إنتوا متخيلين وساعتها هتلاقوا نفسكم قدام بعض من غير زحمة المدارس والدروس والطلبات اللي كانت بتاخد كل الوقت

 

يا ترى هتلاقوا بينكم عشرة حقيقية ومودة وذكريات حلوة تقدروا تعيشوا عليها ولا هتلاقوا شخصين غُربا عن بعض جمعهم بيت واحد وفرقتهم سنين من الإهمال؟

 

السؤال ده محتاج كل واحد فينا يقف مع نفسه شوية

 

لأن الأولاد في النهاية هيكبروا ويعملوا بيوت خاصة بيهم لكن العلاقة اللي عاشوا وشافوها بين أبوهم وأمهم هتفضل جزء من ذاكرتهم ومن فهمهم للحب

 

أجمل ميراث ممكن تسيبوه لأولادكم مش شقة ولا فلوس ولا شهادة وبس.. أجمل ميراث إنكم تسيبوهم فاهمين يعني إيه حب باحترام ويعني إيه أمان ويعني إيه بيت يكون فيه الإنسان على طبيعته من غير خوف ولا وجع

 

الحب بين الزوجين مش رفاهية ولا حاجة ملهاش لازمة بعد الخلفة الحب هو واحد من أهم الحاجات اللي بتدي البيت روحه وبتخلي المسؤولية أخف وبتساعد الأسرة تواجه صعوبات الحياة

 

ويمكن أولادكم ينسوا تفاصيل كتير من طفولتهم لكن إحساسهم بالأمان أو الخوف والدفء أو البرود هيفضل له أثر فيهم

 

فحافظوا على بعض قبل ما تتحول العشرة لعادة والسكوت لمسافة والبعد لحقيقة صعب تتغير

 

وحافظوا على مشاعركم مش عشان الأولاد بس لكن عشان أنتم كمان تستحقوا تعيشوا حياة فيها مودة ورحمة وونس

 

ربنا يديم الحب والرحمة في كل بيت ويصلح ما بين كل زوجين ويجعل بيوتنا أماكن نرتاح فيها من قسوة الدنيا مش أماكن بنستنى فيها الوجع

 

لأن البيت اللي فيه حب واحترام مش بس بيحافظ على الزوجين.. ده بيساعد في صناعة جيل يعرف يحب من غير ما يوجع ويختلف من غير ما يهين ويعيش من غير ما يكرر نفس أوجاع اللي قبله.

مقالات ذات صلة