المقالات والسياسه والادب
أسرار الهيمنة الوهمية حين يصبح التسلط غطاءً للخطأ

بقلم د.ذكاء رشيد
أسرار الهيمنة الوهمية حين يصبح التسلط غطاءً للخطأ
في العلاقات الإنسانية، تتكشف أحيانًا أنماط سلوكية معقدة تعكس صراعًا خفيًا بين الرغبة في السيطرة والحقيقة الواقعة. من أبرز هذه الأنماط تلك الشخصية التي تدخل النقاشات بمنطق المطلق؛ فهو أو هي يرى نفسه دائمًا على “حق”، وكل ما يصدر عن الطرف الآخر هو “خطأ” مهما كانت الأدلة. لكن الأشد إيلامًا وتناقضًا في هذا المشهد هو النهاية المتكررة لكل نقاش؛ فحين تصل الأمور إلى مآلاتها وتنجلي الحقائق، يثبت بوضوح ساطع أن الطرف الآخر كان هو المصيب، وأن صاحب الرأي المطلق كان هو المخطئ تمامًا.
والمثير للدهشة والاستنزاف النفسي ليس وقوع الخطأ بذاته، فكل بشر خطاؤون، بل في إصرار هذا النموذج على إعادة وتكرار ذات الأسلوب التسلطي في المواقف اللاحقة وكأن شيئًا لم يكن. وكأن التجربة والبرهان العملي لا قيمة لهما أمام عرش العناد وسطوة فرض الرأي.
جذور التسلط وأعراضه
لا يولد التسلط في العلاقات من فراغ، وغالبًا ما يكون انعكاسًا لهشاشة داخلية وخوف عميق من الاعتراف بالنقص أو الضعف. بالنسبة لهذا الشريك، يُنظر إلى الاعتراف بالخطأ أمام الطرف الآخر على أنه هزيمة شخصية وسقوط لهيبة “المسيطر” المفترضة. من هنا، يلجأ إلى الدفاع الهجومي، متسلحًا بالصوت العالي، ومصادرة الآراء مسبقًا، وتهميش وجهة نظر الطرف الآخر قبل حتى أن تكتمل الحجة.
إنه يعتمد على سياسة “الإسقاط” وتعديل الحقائق مؤقتًا لخدمة صورته الذهنية عن نفسه، متوهمًا أن تكرار الخطأ بفرض اليد سيجعله حقيقة واقعة مع الزمن.
تكلفة الهيمنة على صفاء العلاقة
حين تُدار الشراكة بهذه الطريقة الأحادية، تتحول العلاقة من مساحة أمان وتكامل إلى حلبة صراع صامتة. الطرف الذي يجد نفسه مرارًا في موقع المظلوم فكريًا، والذي تُثبت الأيام صدق حدسه ورجاحة عقله بعد فوات الأوان، يكتوي بنار التهميش المتكرر.
التكلفة هنا باهظة؛ فهي لا تقتصر على إرهاق الأعصاب فحسب، بل تمتد لتغتال الثقة المتبادلة وتطفئ جذوة الحوار الصحي. فالتسلط الدائم يقتل العفوية، ويجعل الشريكين غريبين في بيت واحد، أحدهما يصر على قيادة السفينة نحو الصخور رغم رؤيته للجليد، والآخر يكتفي بالوقوف صامتًا حتى تقع الواقعة ليثبت الزمن صحة تحذيراته.
نحو وعي شريكي متجدد
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة حقيقية من الطرفين، وتحديدًا من يعاني من أسر الكبرياء الخاطئ. فالقوة الحقيقية في العلاقة لا تكمن في كون الشريك معصومًا أو دائم الصواب، بل في إنصافه للحق أينما وجد، واعترافه بذكاء وحكمة الطرف الآخر دون شعور بالتهديد.



