لم أنتبه إلى أنَّ الأشياءَ لا ترحلُ دائمًا حين تغيب…
بعضُها يبقى معنا طويلًا، يأكلُ معنا، ينامُ قربَنا، ويسكنُ تفاصيلَ أيّامنا… ثمَّ نكتشفُ بعد سنواتٍ أنَّهُ رحلَ منذ زمن.
ربما لهذا السبب لا يخيفُنا مرورُ الوقت، بل يخيفُنا ذلك الصباحُ الذي نستيقظُ فيه فنشعرُ أنَّ شيئًا ما في داخلنا تغيَّر… ولا نعرفُ متى حدث ذلك.
نحن لا نكبرُ حين تظهرُ التجاعيدُ على وجوهنا، بل حين نبحثُ عن أشخاصٍ كنّاهم ذات يوم، فلا نجدُ منهم إلّا أثرًا خفيفًا في الذاكرة.
فالزمنُ لا ينتزعُ منَّا الأشياءَ بالقوّة؛ هو أكثرُ دهاءً من ذلك. يتركُها أمامَ أعيننا، لكنَّهُ يغيّرُ علاقتَنا بها. يجعلُ المكانَ الذي كان وطنًا مجرّدَ جدار، والصوتَ الذي كان حياةً مجرّدَ صدى، والوجهَ الذي كان عالمًا مجرّدَ صورة.
ثمَّ نفهمُ متأخّرين أنَّ أكبرَ سرقةٍ لم تكن في الأشياءِ التي فقدناها…
بل في ذلك الإنسانِ الذي كنّاهُ قبل أن يمرَّ الزمنُ من هنا.
ولعلَّ أقسى ما يفعله الزمنُ بنا، أنَّهُ لا يأخذُ منَّا أعمارَنا فقط… بل يأخذُ النسخةَ التي عاشت تلك الأعمار، ويتركُ لنا مهمّةَ التعرّفِ إلى أنفسِنا من جديد.
عندها فقط نفهمُ أنَّ الزمنَ لم يكن يمرُّ بنا كما كنّا نظنّ… كان يمرُّ منّا.
كان يأخذُ في كلِّ عامٍ شيئًا صغيرًا؛ دهشةً، شغفًا، صوتًا، حلمًا، شخصًا، أو حتّى ذلك الجزءَ منّا الذي كان يصدّقُ أنَّ الأشياءَ الجميلةَ لا تنتهي.
حتّى يأتي يومٌ لا نحزنُ فيه على ما رحل… بل نحزنُ لأنّنا لا نستطيعُ أن نتذكّرَ متى رحلنا نحنُ أيضًا.