المقالات والسياسه والادب

أعِدْ ترتيب أوراقِك..بقلم مستشار محمود السنكري

أعِدْ ترتيب أوراقِك

بقلم مستشار محمود السنكري

في لحظة صفاءٍ قاسية حين يسقط القناع عن الوجوه وتنكشف الحقيقة عاريةً بلا رتوش تدرك أن الحياة ليست إلا حزمة أوراقٍ مبعثرة وأنك وحدك المسؤول عن ترتيبها أو تمزيقها.

أعِدْ ترتيب أوراقك.. ليس لأن الريح عبثت بها بل لأنك سمحتَ للعابرين أن يكتبوا عليها ما لا يشبهك.

في حياتنا أوراقٌ كثيرة.. ورقةُ صديقٍ ظننته السند فإذا به أول المنسحبين عند أول عاصفة ، ورقةُ قريبٍ حسبته الدم الذي لا يخون فإذا به يطعنك من الخلف وهو يبتسم ، ورقة حبيب أقسم لك بالخلود فإذا به صفقةٌ مؤجلة الدفع مؤجلة الوفاء مشروطة الربح.

ترتيب الأوراق ليس عملا إداريا باردا بل فعلُ نجاة ، إنه إعلان تمرّد على الفوضى التي صنعتها ثقتك الزائدة وطيبتك النبيلة وقلبك الذي كان يمنح دون حساب.

غدر المقربين ليس طعنة في الظهر فقط إنه تصحيحٌ قاسٍ للمفاهيم ، 

إنه درسٌ يقول لك: ليس كل من اقترب منك صار منك وليس كل من شاركك العيش والملح استحق أن يعرف جوعك.

بعضهم كان ظلا يبحث عن شمسك وبعضهم كان صدى يبحث عن صوتك وحين استوفوا حاجتهم… اختفوا.

أما خيانة الثقة فهي الزلزال الذي يهز أعمدة الروح فالثقة ليست كلمة تُقال بل روحٌ تُسلَّم وحين تُخان لا ينكسر القلب فقط بل تتصدّع نظرتك للعالم فتصبح أكثر حذرًا وأقل اندفاعًا وأعمق صمتًا.

لكن إياك أن تتحول إلى نسخةٍ باردةٍ ممن خذلوك، لا تجعل الخيانة تغيّر معدنَك، بل غيّر بها موقع الخائن في دفترك.

والحبّ ذو المصلحة…ذاك الذي يأتيك بثياب العشق ولسان العذوبة لكنه يحمل في جيبه آلة حاسبة ، يحسب ما يأخذ ويؤجل ما يعطي ويزن المشاعر بميزان المنفعة ، فإذا نفدت فائدتك، أعلن انتهاء الموسم وأغلق الحساب.

ذلك ليس حبًا…ذلك استثمار عاطفي قصير الأجل.

أعِدْ ترتيب أوراقك..ضع كل شخصٍ في حجمه الحقيقي لا في حجمه الذي تمنّيته له واكتب بجوار كل اسم: ماذا أضاف؟ وماذا استنزف؟ من كان طمأنينة؟ ومن كان قلقًا دائمًا؟ من كان حضورًا يُشبه المطر؟ ومن كان غيمةً بلا ماء؟

ولا تخشَ تمزيق بعض الأوراق ، بعض العلاقات لا تُرتَّب… بل تُلغى.

بعض الصفحات لا تُعدَّل… بل تُغلق إلى الأبد.

الفلسفة الحقيقية للحياة ليست في أن نُكثر من العلاقات بل في أن نُنقّيها وليست في أن نُبقي الجميع حولنا بل في أن نُبقي أنفسنا بخير.

أنت لستَ مُلزمًا بحمل من خانك ولا بتبرير غدر من باعك ولا بإحياء حبٍّ مات يوم صار مشروطًا.

رتّب أوراقك كما يرتّب المحارب سلاحه قبل المعركة فحياتنا صارت هكذا..معركة.

اجعل قلبك في المقدمة لكن بعينٍ يقظة واجعل كرامتك خطًا أحمر لا يُمس واجعل الوفاء معيار الدخول… لا البكاء ساعة الفراق.

في النهاية.. ستكتشف أن الحياة لا تُعطيك الأشخاص الذين تريدهم بل تكشف لك حقيقة الذين حولك وحين تُحسن الترتيب لن تخاف من الفقد لأنك أدركت أن من يستحق البقاء… لا يحتاج إلى ترتيب بل يحتاج إلى تقدير.

أعِدْ ترتيب أوراقك…

فالفوضى التي تُبقيها بدافع العاطفة،

قد تُسقطك بدافع الحقيقة.

مقالات ذات صلة