أقنعة من زجاج: حين يلتهم الجشعُ الروح ويُصاغ النجاح بالتزييف

أقنعة من زجاج: حين يلتهم الجشعُ الروح ويُصاغ النجاح بالتزييف
بقلم: د. ذكاء رشيد
في عالمٍ بات يُقدس “الواجهة” ويحتفي بالوصول السريع، برزت ظاهرة إنسانية مشوهة تثير التساؤل والقلق؛ شخصياتٌ تقتات على الادعاء، وتتخذ من الكذب جسراً لتعويض نقصٍ دفين.
حين يتلاعب الجشع بإنسان، ويختلط طموحه بانتهازية فجة، نجد أنفسنا أمام “بناء كرتوني” من النجاحات الوهمية والحقائق المزورة.
ولكن، ما الذي يدفع المرء لبيع حقيقته مقابل “برواز” مزيف؟ هل نحن أمام مريض بالشهرة، أم ضحية لماضٍ لم يغفره؟
تشريح الشخصية الانتهازية: لماذا يسقط القناع؟
يرى علماء النفس أن الشخص الذي يزور نجاحاته ويحترف الكذب ليس مجرد “مخادع”، بل هو تركيب معقد من الدوافع النفسية التي يمكن حصرها في ثلاث زوايا مظلمة:
عقدة الماضي وفخ “الدونية”: غالباً ما يختبئ خلف هذا الاندفاع المحموم طفلٌ قديم شعر بالتهميش أو الفقر (سواء المادي أو العاطفي). هذا الماضي يخلق رغبة انتقامية لإثبات الوجود، ليس عبر الإنجاز الحقيقي، بل عبر استعراض “القوة” والنجاح لإسكات أصوات الماضي الجارحة.
هوس “النيوكارزم”: حب الشهرة المرضي: بالنسبة لهذا النوع، الوجود لا يتحقق إلا من خلال نظرات الإعجاب في عيون الآخرين. هو لا يشعر بقيمته إلا إذا صفق له الناس، حتى لو كان التصفيق لسراب. هنا يصبح “الكذب” أداة تجميلية ضرورية للبقاء تحت الأضواء.
الانتهازية كوسيلة للبقاء: هذا الشخص يرى العالم كغابة، والآخرين كمجرد أدوات. هو لا يملك صبراً لبناء نجاح حقيقي (عصامي)، بل يفضل “سرقة” الجهود أو تزوير الشهادات والمواقف ليختصر الطريق، مؤمناً بأن “الغاية تبرر الوسيلة”.
تزوير الحقائق.. هروب أم مواجهة؟
إن تزييف الواقع الذي يمارسه هؤلاء يعكس هشاشة داخلية مرعبة. هم يدركون في أعماقهم أن “النسخة الحقيقية” منهم لا تكفي، فيعمدون إلى خلق “نسخة سوبر” (Super Self). هذا النوع من الأشخاص يعيش في توتر مستمر؛ خوفاً من لحظة انكشاف الحقيقة، مما يدفعه لمزيد من الكذب لتغطية الأكاذيب السابقة، في حلقة مفرغة من التزييف.
”الجشع ليس مجرد رغبة في المزيد، بل هو خوف عميق من ألا تكون كافياً كما أنت.”
الخلاصة: هل هو مريض أم مجرم؟
الحقيقة تقع في المنطقة الوسطى. هو إنسان يبحث عن إثبات وجوده بطرق ملتوية لأنه يفتقر إلى الاستحقاق الداخلي. هو ضحية لمرض “حب الظهور” الممزوج بتركيبة سيكوباتية (نقص التعاطف مع من يستغلهم). إن نجاحاته الملوثة لا تجلب له السلام أبداً، لأنها مبنية على رمال متحركة من الأوهام.



