المقالات والسياسه والادب

أين تذهبُ الأشياءُ التي لم تحدث؟

الكاتبه إيمان نجار

أين تذهبُ الأشياءُ التي لم تحدث؟

‏هل فكَّرتَ يومًا أنَّ في هذا العالمِ أماكنَ مزدحمةً بأشياءَ لم تصل؟

‏رسائلَ بقيتْ حبيسةَ أصابعِ أصحابِها، لأنَّ لحظةَ الشجاعةِ تأخَّرت،

‏وأحضانًا توقَّفتْ عندَ المسافةِ الأخيرةِ قبلَ اللقاء،

‏وأبوابًا ظلَّتْ تحفظُ شكلَ الطارقِ الذي لم يأتِ.

‏ربَّما لا تموتُ الأشياءُ التي لم تحدث…

‏ربَّما تُحفَظُ في أرشيفٍ لا يدخلهُ الزمن، ملفَّاتٌ تحملُ أسماءَنا، لكنَّها كُتبتْ بحبرِ الاحتمال.

‏هناكَ، في مكانٍ لا نراه، قد تبقى حياةٌ كاملةٌ لم نعشْها؛ نسخةٌ أخرى منَّا اختارتْ طريقًا لم نسلكْه، ووقفتْ خلفَ زجاجٍ لا نعرفُه، تلوِّحُ لنا كلَّما شعرنا أنَّ شيئًا ما كان يمكنُ أن يكون.

‏ربَّما هناكَ ضحكاتٌ لم تجدْ أفواهَها بعد، تجلسُ على مقاعدِ الانتظار، تحملُ أرقامًا لا يناديها أحد.

‏وربَّما هناكَ كلماتٌ لم نقُلْها… لم تختفِ، بل كبرتْ وحدَها في العتمة، حتى أصبحتْ أثقلَ من أن يحملَها صوت.

‏إنَّ أكثرَ ما يؤلمُ الإنسانَ ليس دائمًا ما فقده…

‏فالأشياءُ التي رحلتْ من حياتِنا نعرفُ كيف نودِّعُها، أمَّا الأشياءُ التي لم تصلْ قط، فتبقى واقفةً عندَ بابِ الرُّوح؛ لا هي دخلتْ فنحبَّها، ولا هي رحلتْ فننساها.

‏نحنُ نبكي أحيانًا على أبوابٍ لم نفتحْها، وعلى وجوهٍ لم نحفظْ ملامحَها، وعلى طرقاتٍ لم تمسَّ أقدامَنا، ومع ذلك نشعرُ كأنَّ شيئًا عزيزًا أُخذَ منَّا.

‏لأنَّ الأشياءَ التي لم تحدث ليست فراغًا…

‏إنَّها غرفُ ولادةٍ أُغلقتْ قبلَ أن يخرجَ منها الضوء.

‏ولهذا يأتي ذلك الحنينُ الغريبُ الذي لا نعرفُ لهُ اسمًا…

‏ذلك الشعورُ بأنَّ في داخلِنا شخصًا آخرَ يفتقدُ حياةً لم نعشْها.

‏وربَّما لا نشتاقُ إلى ما لم يحدث فقط… ربَّما نشتاقُ إلى الشخصِ الذي كان يمكنُ أن نصبحَه لو حدث.

‏فأصعبُ أنواعِ الغياب… أن تشتاقَ إلى شيءٍ لم يكن لكَ يومًا، لكنَّ قلبَكَ يعرفُ تمامًا كيف كان سيحبُّه لو وصل.

مقالات ذات صلة