المقالات والسياسه والادب
أَصْوَاتٌ لَا تَمُوت٨

بقلم الكاتبة إيمان نجار صوت الأرض
الشخصيات(الطفله الاولى ..الطفله الثانيه..الام الاولى…الام الثانيه…الراوي)
أَصْوَاتٌ لَا تَمُوت٨
الرَّاوِي:

(بصوتٍ هادئٍ، ثمَّ يَثْقُلُ تدريجيًّا)
ليسَ كلُّ مَن أُغْمَضَ عَيْناهُ نَائِمًا…
وليسَ كلُّ مَن صَمَتَ مَاتَ.
هُنَاكَ أَطْفَالٌ… حِينَ أُغْلِقَتْ أَبْوَابُ الغُرَفِ عَلَيْهِم،
فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِأَرْوَاحِهِم.
هُنَا… فِي هٰذَا المَكَانِ الَّذِي لَا هُوَ أَرْضٌ وَلَا هُوَ سَمَاء،
تَجْلِسُ طِفْلَتَانِ… لَا جِرَاحَ فِي أَجْسَادِهِمَا،
وَلَكِنَّ أَرْوَاحَهُمَا كُلَّهَا جِرَاح.
(صَمْتٌ قَصِير بدي نفس خفيف تنهيدات)
الطِّفْلَةُ الأُولَى:
هَلْ… هَلْ أَنْتِ أَيْضًا جِئْتِ مِنْ هُنَاكِ؟
الطِّفْلَةُ الثَّانِيَةُ:
نَعَم… مِنْ غُرْفَةٍ كَانَتْ أَضْيَقَ مِنْ قَلْبِ أُمِّي حِينَ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْكِيَ سِرًّا.
الأُولَى:
أَنَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الأَبْوَابَ تُغْلَقُ لِنَنَام…
وَلٰكِنَّهُ أَغْلَقَهَا… لِكَيْ لَا نَهْرُب.
الثَّانِيَةُ:
أَنَا صَرَخْتُ… وَلٰكِنَّ صَوْتِي كَانَ أَصْغَرَ مِنْ يَدِهِ.
الأُولَى:
هَلْ تَعْرِفِينَ… أَوَّلَ شَيْءٍ سَرَقَهُ مِنِّي؟
لَمْ يَكُنْ جَسَدِي… كَانَ صَوْتِي.
حِينَ فَتَحَ البَابَ… شَعَرْتُ أَنَّ الغُرْفَةَ صَارَتْ قَبْرًا،
وَأَنَّ الهَوَاءَ صَارَ ثَقِيلًا… لَا يُتَنَفَّس.
الثَّانِيَةُ:
أَنَا تَجَمَّدْتُ.
كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى السَّقْفِ… وَأَعُدُّ الشُّقُوقَ فِيهِ،
وَأَقُولُ: إِذَا انْتَهَيْتُ مِنْ عَدِّهَا… رُبَّمَا يَنْتَهِي الكَابُوس.
الأُولَى:
أَنَا طَلَبْتُ مِنْ جَسَدِي أَنْ يَخْتَفِي…
أَنْ يَصِيرَ حَجَرًا… أَوْ دُخَانًا… أَوْ لَا شَيْءَ.
وَلٰكِنَّهُ أَمْسَكَنِي كَأَنَّهُ يُمْسِكُ حَيَاةً لَا تَخُصُّهُ.
الثَّانِيَةُ:
هَلْ تَعْرِفِينَ مَا هُوَ الأَبْشَع؟
أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ بِهُدُوء…
وَأَنَا كُنْتُ أَمُوتُ قِطْعَةً… قِطْعَة.
الأُولَى:
كُلَّمَا تَحَرَّكْتُ… زَادَ الأَلَم.
كُلَّمَا صَمَتُّ… زَادَ هُوَ.
وَفِي لَحْظَةٍ… شَعَرْتُ أَنَّ رُوحِي وَقَفَتْ فِي زَاوِيَةِ الغُرْفَةِ
وَصَارَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ… وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُنْقِذَنِي.
الثَّانِيَةُ:
أَنَا لَمْ أَبْكِ فِي البِدَايَة…
كُنْتُ أَخَافُ أَنْ يَغْضَبَ أَكْثَر.
تَعَلَّمْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ
أَنَّ الخَوْفَ يُعَلِّمُ الإِنْسَانَ كَيْفَ يَخْتَفِي وَهُوَ حَيّ.
الأُولَى:
وَعِنْدَمَا انْتَهَى…
لَمْ يَنْتَهِ شَيْء.
تَرَكَنِي كَدُمْيَةٍ مَكْسُورَة.
الثَّانِيَةُ:
أَنَا قُمْتُ… وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْشِي.
كَانَ جَسَدِي لَيْسَ لِي.
الأُولَى:
وَعِنْدَمَا نَظَرْتُ إِلَى نَفْسِي فِي المِرْآة…
لَمْ أَرَ طِفْلَة… رَأَيْتُ شَيْئًا انْكَسَر.
الثَّانِيَةُ:
غَسَلْتُ يَدَيَّ عَشْرَاتِ المَرَّات…
وَلَمْ يَذْهَبْ شَيْء.
لِأَنَّ بَعْضَ الأَوْسَاخِ… تَكُونُ فِي الرُّوح.
(يَتَغَيَّرُ الضَّوْءُ. يُسْمَعُ صَوْتُ بُكَاء.)
الأُمُّ الأُولَى

يَا ابْنَتِي…
غُرْفَتُكِ كَمَا هِيَ… وَأَنَا لَمْ أَعُدْ كَمَا كُنْتُ.
يَا لَيْتَنِي دَخَلْتُ قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ البَاب…
يَا لَيْتَنِي سَمِعْتُ صَوْتَكِ.
الطِّفْلَةُ الأُولَى:
أُمِّي… نَحْنُ نَرَاكِ… وَنَسْمَعُكِ.
نَرَاكِ وَأَنْتِ تَجْمَعِينَ صُوَرِي كَأَنَّهَا زُجَاج.
الأُمُّ الأُولَى:

كُلُّ شَيْءٍ فِي البَيْتِ يَتَّهِمُنِي.
الطِّفْلَةُ الأُولَى:
لَا تَحْمِلِي ذَنْبًا لَيْسَ لَكِ.
(تَدْخُلُ الأُمُّ الثَّانِيَةُ.)
الأُمُّ الثَّانِيَةُ:،

كُلَّ صَبَاحٍ أَنْتَظِرُ أَنْ تَنْطِقِي اسْمِي… وَلَا تَفْعَلِينَ.
لِمَاذَا لَمْ أَكُنْ هُنَاكِ؟
الطِّفْلَةُ الثَّانِيَةُ:
لَوْ كُنْتِ هُنَاكِ… لَتَأَلَّمْتِ مَعِي.
نَحْنُ لَمْ نَذْهَبْ لِنُعَاقِبَكُنَّ…
نَحْنُ ذَهَبْنَا لِنَكْشِفَ وَجْهَ هَذَا العَالَم.
الأُمُّ الثَّانِيَةُ:

غُرْفَتُكِ تُخِيفُنِي.
الطِّفْلَةُ الثَّانِيَةُ:
نَحْنُ لَا نَسْكُنُ الغُرَف…
نَسْكُنُ الدُّعَاء.
الأُولَى:دعينا نخفف عنهم الألم
الثَّانِيَةُ:
قُولِي لَهُنَّ إِنَّنَا نَرَاهُنَّ… وَنَشْعُرُ بِكُلِّ دَمْعَة.
الأُولَى:
قُولِي لَهُنّ:
لَيْسَ كُلُّ الصَّمْتِ بَرَاءَة… وَلَيْسَ كُلُّ بَابٍ مُغْلَقٍ أَمَانًا.
الرَّاوِي:






هُنَا… لَا دَمَ يَسِيلُ…
وَلٰكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَذَكَّرُ الدَّمَ.
هُنَا… تَجْلِسُ الطِّفْلَتَانِ…
لَا تَطْلُبَانِ العَوْدَة…
بَلْ تَطْلُبَانِ أَنْ يَسْتَحِيَ هَذَا العَالَمُ.



