المقالات والسياسه والادب

الأهوج

الأهوج
قصة قصيرة
بقلم: نور شاكر
كان الجميع في قرية عين السدر يصفون مروان بـ الأهوج لم يكن خبيثًا، ولا شريرًا، لكن عقل مروان كان يعمل دائمًا بسرعة تفوق سرعة الواقع بخطوات إذا رأى غيمة في السماء، صرخ بالناس ليجمعوا الغسيل لأن الطوفان قادم وإذا تخرم ثوب أحدهم، بادره بنصيحة لبيع بيته وشراء ثياب جديدة! كان يعيش في دوامة من القرارات المتسرعة والردود الجاهزة التي تسبق التفكير
في أحد صباحات الخريف الجافة، كان مروان يسير قرب مخزن الحبوب الرئيسي للقرية
فجأة، رأى خيطًا رفيعًا من الدخان الأبيض يتصاعد من خلف الجدار الخلفي للمخزن
لم يتردد مروان، ولم يكلف نفسه عناء المشي خطوتين إضافيتين ليتفقد الأمر
صرخ بأعلى صوته: “حريق! حريق! المخزن يحترق! سينقطع خبزنا، سنموت جوعًا!”
انطلق كالسهم نحو جرس الطوارئ في وسط القرية وظل يدقه بعنف
ذعر الأهالي، وهرع الرجال والنساء يحملون دلاء الماء والتراب، والكل يركض وعيونهم مليئة بالخوف على قوت عامهم المخزن

وعندما وصل الحشد الثائر إلى خلف المخزن، توقفت الأقدام فجأة وساد صمت ذهول عميق، تلاه زفير جماعي من الغيظ
لم يكن هناك حريق كل ما في الأمر أن العجوز أبو صالح كان يجلس في الظل، يوقد بضع أوراق شجر جافة ليصنع كوبه الصباحي من الشاي
التفت الجميع نحو مروان، وكانت نظراتهم كفيلة بإحراقه فعليًا. تنحنح مروان بحرج، وفرك مؤخرة رأسه مبتسمًا ببلادة: “الوقاية خير من العلاج، أليس كذلك؟”
انصرف الناس وهم يشتمون هوسه وتسرعه، وزاد لقب “الأهوج” ليتصق به كظله

مرت أسابيع، وفي ليلة شاتية شديدة الظلمة، كان مروان عائدًا من أطراف القرية هبت عاصفة قوية، وسمع صوت تصدع مكتوم يأتي من جهة السد الترابي القديم الذي يحجز مياه الوادي عن القرية
اقترب بحذر، وأشعل مصباحه اليدوي صدمته المفاجأة: كان هناك شرخ يتسع بسرعة، والمياه بدأت تتدفق منه بقوة هذه المرة، الكارثة حقيقية والوقت لا يتجاوز الدقائق قبل أن يتدمر السد وتغرق القرية بأكملها
ركض مروان نحو القرية وهو يصرخ: “السد ينهار! اخرجوا إلى الجبل! السد ينهار!”
فتح بعض الأهالي نوافذهم، ونظروا إليه بسخرية
قال أحدهم: “اذهب ونم يا مروان، هل رأيت عجوزًا آخر يشرب الشاي عند السد؟” وقال آخر: “لن نركض خلف أوهامك مجددًا!”
أدرك مروان في تلك اللحظة القاتلة ضريبة “هوجته” القديمة؛ لقد فقد مصداقيته تمامًا، والناس لن يصدقوه
لم يكن هناك وقت للجدال أو البكاء فكر بسرعة غير معتادة: إذا لم يصدقوا كلامي، سأجبرهم على الحركة بأفعالي
ركض مروان نحو حظيرة المختار وفتح الأبواب وأطلق المواشي وهي تصرخ، ثم أخذ يرمي الحجارة على نوافذ البيوت الزجاجية ليكسرها، ويصرخ بأسماء أصحابها مستفزًا إياهم استشاط الأهالي غضبًا، وخرج الرجال يركضون خلفه بغرض الإمساك به وتأديبه
استمر مروان بالركض نحو المرتفع الجبلي وهو يشتمهم ويسخر منهم ليتبعوه، وبالفعل، تبعه نصف رجال القرية غاضبين، ولحقت بهم النساء والأطفال لاستطلاع الأمر

وما إن وصل الحشد الغاضب إلى مشارف الجبل، وقبل أن يضع أحدهم يده على كتف مروان، دوى انفجار هائل هز أركان الوادي
التفت الجميع ليسحبهم الذهول لقد انهار السد تمامًا، واجتاحت أمواج المياه الهادرة شوارع القرية وبيوتها واقتلعت الأشجار في ثوانٍ معدودة
نظر الأهالي إلى قريتهم الغارقة بالأسفل، ثم نظروا إلى مروان الواقف يلهث مستندًا إلى صخرة عرفوا أنه لولا جنونه واستفزازه لهم، لكانوا الآن جثثًا تحت تلك المياه
تقدم المختار نحو مروان، ووضع يده على كتفه وقال باعتذار وامتنان:
“لقد أنقذتنا يا مروان.. عذرًا لأننا لم نصدقك”
ابتسم مروان، لكن هذه المرة كانت ابتسامة هادئة ورزينة، وقال: “بل عذرًا منكم، لولا طيشي القديم، لما احتجت أن أكسر نوافذكم الليلة لنبقى على قيد الحياة”
منذ ذلك اليوم، لم يعد أحد في القرية ينادي مروان بـ الأهوج بل أصبحوا يستشيرونه في كل أمر، مع أنه بيننا وبينكم ظل يحتفظ ببعض التسرع الذي يضفي على حياتهم نكهة خاصة

مقالات ذات صلة