المقالات والسياسه والادب

 الاختلاف ليس خصومة بقلم نور شاكر

 الاختلاف ليس خصومة

في الآونة الأخيرة، لفت نظري موضوع أراه في غاية الأهمية، وربما لم يبدأ الآن، بل هو مشكلة قديمة رافقت البشر منذ زمن طويل، إلا أنها ازدادت وضوحًا وانتشارًا في عصرنا الحالي، خصوصًا مع اتساع مساحة التواصل وتعدد المنصات واختلاف الآراء والتوجهات
نحن نعيش اليوم في عالم مفتوح على بعضه بصورة غير مسبوقة
مواقع التواصل الاجتماعي جعلت من الإنسان قادرًا على الاطلاع على أفكار أشخاص من بلدان مختلفة، وثقافات مختلفة، ولغات مختلفة، وبيئات اجتماعية متباينة وأصبحنا نرى يوميًا مئات الآراء والأذواق والقناعات التي قد تتفق معنا أحيانًا، وتختلف معنا أحيانًا أخرى
وهذا أمر طبيعي جدًا

فأنا قد أحب قراءة كتب علم النفس، بينما لا يجد شخص آخر نفسه فيها ولا يستمتع بقراءتها وقد أستمع إلى القرآن الكريم بصوت قارئ معين وأجد في صوته ما يلامس قلبي، بينما يفضل غيري قارئًا آخر
وقد أتابع محتوى معينًا وأهتم بموضوعات محددة، في حين يرى شخص آخر أن تلك الموضوعات لا تعنيه إطلاقًا، ويجد متعته واهتمامه في شيء مختلف تمامًا

وقد نختلف في الفن، والأدب، والرياضة، والسياسة، والثقافة، وحتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية

لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو
متى أصبح اختلافنا مع إنسان في فكرة أو ذوق أو رأي سببًا كافيًا للحكم عليه؟

المشكلة ليست في أن نختلف فالاختلاف جزء أصيل من طبيعة البشر، وإنما المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا الاختلاف
ففي مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل جدًا أن يكتب الإنسان تعليقًا غاضبًا، أو يطلق حكمًا قاسيًا، أو يصف شخصًا بصفة جارحة، لمجرد أن ذلك الشخص قال شيئًا لم يعجبه

قد تجد شخصًا كنت تتفق مع معظم ما يكتب، وتعجبك أفكاره وطريقة طرحه، ثم يطرح في يوم من الأيام فكرة لا توافقك، فإذا بك تنقلب عليه فجأة، وكأن كل ما قاله سابقًا قد أصبح بلا قيمة
وقد ترى شخصًا يعجبك معظم ما ينشره، ثم تختلف معه في منشور واحد، فتبدأ في مهاجمته والطعن في أفكاره وشخصيته وأخلاقه
بل إن الأمر أحيانًا يتجاوز مجرد الاختلاف في الرأي، ليصل إلى السخرية والشتائم والتخوين والاتهام بالجهل والتخلف وسوء التربية وانعدام الأخلاق، وكأن الاختلاف في وجهة نظر واحدة يكشف فجأة عن حقيقة الإنسان كاملة!
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا
هل من المنطقي فعلًا أن أختصر إنسانًا كاملًا في رأي واحد لم يعجبني؟

هل لأنني اختلفت معه في فكرة أصبح جاهلًا؟

وهل لأن ذوقه لا يشبه ذوقي أصبح متخلفًا؟

وهل لأن اختياره لا يتوافق مع اختياري أصبح شخصًا سيئًا؟

وهل لأنني لا أستسيغ ما يحب، يجب أن أعتبره أقل مني وعيًا وثقافة؟

الحقيقة أن الإنسان أكبر بكثير من رأيه في مسألة واحدة
قد نلتقي مع شخص في عشرات الأفكار ونختلف معه في فكرة، وقد نختلف مع شخص في معظم آرائه ثم نكتشف فيه أخلاقًا جميلة ومواقف نبيلة لا يمكن إنكارها

فالإنسان ليس رأيًا واحدًا، ولا منشورًا واحدًا، ولا تعليقًا عابرًا، ولا ذوقًا فنيًا، ولا كتابًا يقرأه، ولا شخصًا يتابعه

الإنسان مجموعة معقدة من التجارب والظروف والقناعات والذكريات والتربية والثقافة والبيئة، وكل ذلك يساهم في تشكيل نظرته إلى الحياة

ولهذا فإن اختلافنا مع الآخرين ينبغي ألا يتحول إلى معركة لإثبات من هو الأفضل، ولا إلى محاولة لإسقاط الآخر أو تشويه صورته
ومن المؤسف أن بعض الناس يتعاملون مع مواقع التواصل الاجتماعي وكأنها ساحات للمحاكمة، لا مساحات للحوار

فإذا أعجبته فكرتك، أصبحت رائعًا ومثقفًا وواعيًا، وإذا خالفته في رأي واحد، أصبحت فجأة جاهلًا ومتخلفًا وعديم الفهم!

وهذا النوع من التفكير لا يدل على قوة الشخصية، بل ربما يدل على العكس تمامًا لأن الإنسان الواثق من أفكاره لا يحتاج إلى إهانة من يخالفه حتى يثبت صحة موقفه

يمكنني أن أقول لك: أنا لا أتفق معك
ويمكنني أن أشرح لك أسباب اختلافي
ويمكنني حتى أن أرى فكرتك خاطئة تمامًا
لكن كل ذلك لا يمنحني الحق في إهانتك أو الطعن في أخلاقك أو اختزال شخصيتك كلها في رأي لم يعجبني
فالاختلاف لا يعني العداء، كما أن الاتفاق لا يعني المحبة المطلقة
وليس مطلوبًا منا أن نحب كل ما يحبه الآخرون، ولا أن نتبنى كل أفكارهم حتى نحترمهم
من حقك أن تحب ما أشعر أنه ممل، ومن حقي أن أستمتع بما لا يلفت انتباهك
من حقك أن تسمع قارئًا معينًا، ومن حقي أن أستمع إلى قارئ آخر
من حقك أن تقرأ كتابًا لا أراه مناسبًا لي، ومن حقي أن أقرأ كتابًا لا تجد فيه أنت أي متعة
ومن حقك أن تكون لك رؤيتك الخاصة للحياة، كما أن لي رؤيتي
المشكلة تبدأ حين نحول الاختلاف إلى إلغاء
حين نعتقد أن ما لا يشبهنا لا قيمة له
وحين نتصور أن ذوقنا معيار للوعي، وأن قناعاتنا معيار للصواب، وأن من لا يشبهنا بالضرورة أقل منا فهمًا وثقافة
ربما نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نناقش دون أن نهين، وكيف نرفض الفكرة دون أن نهدم صاحبها
فليس كل من خالفنا جاهلًا، وليس كل من وافقنا حكيمًا
وليس كل اختلاف يستحق معركة
وأحيانًا يكون أكثر ما يدل على وعي الإنسان هو قدرته على أن يقول:
“أختلف معك، لكنني أحترم حقك في أن ترى الأشياء بطريقة مختلفة.

لأننا لو تأملنا الأمر جيدًا، لوجدنا أن العالم لن يصبح أفضل عندما نجعل الجميع نسخًا متشابهة منا، بل عندما نتعلم كيف نعيش وسط هذا الاختلاف دون أن نفقد احترامنا لبعضنا

فالاختلاف سنة في البشر، أما تحويل الاختلاف إلى كراهية وعداوة، فذلك اختيار
وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم الفرق بين أن نختلف مع الإنسان، وبين أن نختلف على الإنسان
الأولى مساحة للحوار، أما الثانية فقد تكون بداية للظلم.
وفي نهاية الأمر، أحب أن أقول: دعِ الخَلقَ للخالق، فليس من شأننا أن نحاسب الناس على اختلافاتهم أو أن نفرض عليهم ما نراه صوابًا
والاختلاف الوحيد الذي قد يحول دون انسجامنا هو اختلاف الدين، أما ما دام يجمعنا الإسلام، فلا فرق بيننا فكلنا إخوة، وما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا
فلنترك مساحة للاختلاف، ولنتعامل مع بعضنا بالاحترام، ولنجعل ما بيننا من إنسانية وأخوة أسمى من كل خلاف 

مقالات ذات صلة