كل الطرق تؤدي إليّ

كل الطرق تؤدي إليّ
بقلم الكاتبة إيمان نجار
في رِئَتَيَّ نَسْمَةٌ تَحْمِلُكَ،
وفي قَلْبِي وَطَنٌ لا يَعْتَرِفُ بِحُدُودٍ سِوَاكَ.
أَمْشِي في زَحَامِ الوَقْتِ، وأَنْتَ فَرَاغُهُ الجَمِيلُ،
مَلَأْتَنِي حتّى النَّقْصِ، وأَغْرَقْتَنِي حتّى النَّجَاةِ،
فَكَيْفَ أَرَاكَ في كُلِّ شَيْءٍ… دُونَ أَنْ تَكُونَ؟
أَنْتَ لَسْتَ ذِكْرَى،
أَنْتَ ذَاكِرَةٌ بِأَكْمَلِهَا،
تَمْتَدُّ مِنْ شَغَافِ دَقَّةٍ إِلَى رَعْشَةِ حَنِينٍ.
حَدِيثُكَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا كَلِمَاتٍ…
بَلْ كَانَ ارْتِجَاجًا في نُخَاعِ الرُّوحِ.
أَشْتَاقُكَ؟
بَلْ أَتَنَفَّسُكَ كَصَلَاةٍ خَاشِعَةٍ،
كَأُغْنِيَةٍ لا تَنْتَهِي وَإِنِ انْطَفَأَ الصَّوْتُ،
كَكُوبِ قَهْوَةٍ بَرْدٍ عَلَى طَاوِلَةِ الفَقْدِ…
لَكِنْ نَكْهَتُهَا لا تَزَالُ في الفَمِ،
وَفي القلب.
كُلَّما حاوَلتُ نِسيانَكَ،
نَزَفَت ذاكِرَتِي عِطْرَكَ…
كَأَنَّكَ لا تَسْكُنُنِي، بَلْ تَسْكُنُ الذّاكرَةَ ذاتَها،
كَأَنَّكَ السِّرُّ الَّذي خُلِقَ الحَنينُ لأَجْلِهِ،
وَالْوَجَعُ الَّذي تُرَفْرِفُ لَهُ رَياتُ الشَّوقِ.
هَلْ أَخْبَرْتُكَ يَوْمًا أَنَّ حُضُورَكَ لَيْسَ عاديًّا؟
أَنَّكَ كالصَّوتِ الَّذي يَسْمَعُهُ القَلْبُ لا الأُذُنُ،
وَأَنَّ مَلامِحَكَ تَتَسَرَّبُ مِنْ ثُقُوبِ الغِيابِ
وَتُقِيمُ في مِرآتي خِلْسَةً، دُونَ إِذْنٍ؟
أَكْتُبُكَ في اللَّيلِ،
لا كَحبيبٍ فَقَطْ… بَلْ كَنَجْمَةٍ مُعَلَّقَةٍ مِنْ وَتَرِ قَلْبِي،
كَغَيْمَةٍ تَهْطِلُ فَوْقَ عَطَشِي،
كَرجْفَةٍ في شِرْيانِ الوَقْتِ حِينَ تَمُرُّ ذِكْراكَ.
أَنْتَ الدَّفْءُ في مَوَاسِمِ الخَذْلانِ،
وَالنَّبَضُ حِينَ يَتْعَبُ النَّبَضُ…
وَالْأَمَانُ حِينَ تَصِيرُ الدُّنيا كُلُّها قَنَبَلَةً مَوْقوتَةً!
وَإِن ضِعْتَ يَوْمًا فِي زِحَامِ الأَيَّامِ،
فَتَّشْ عَنِّي فِي أُغْنِيَةٍ لَمْ يُكْتَبْ لَهَا أَنْ تُغَنَّى،
فِي دَمْعَةٍ خَجُولَةٍ عَلَى وَسَادَتِي،
فِي فِنْجَانِ قَهْوَةٍ بَارِدٍ نَسِيته عَلَى طَاوِلَةِ اللِّقَاءِ.
وَإِن قَرَّرْتَ أَنْ تَهْرُبَ…
فَاحْذَرْ،
فَقَلْبِي مَدِينَةٌ بِلا مَخَارِجَ،
كُلُّ الطُّرُقِ تُؤَدِّي إِلَيَّ،
حَتَّى الغِيَابُ… يَعُودُ إِلَيَّ.
أَنَا تِلْكَ الَّتِي إِن أَحَبَّتْ،
كَتَبْتُ اسْمَكَ فِي الْعُرُوقِ،
لَا فِي دَفْتَرٍ يُطْوَى… بَلْ فِي نَبْضٍ لَا يَمُوتُ.


