المقالات والسياسه والادب

الاكتئاب الباسم

الاكتئاب الباسم

بقلم تغريد نافع

تعرضت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب بعد غنائها بمهرجان “موازين” بالمغرب لتنمر وكلمات جارحه من جمهورها بسبب ظهورها في صورة مختلفة ،ووزن زائد وحالة من عدم التركيز ،وغنت بطريقة “البلا ى باك “. يبدو أنها تعانى من اكتئاب شديد. ونصحها طبيبها الخاص بالذهاب للمهرجان حتي تتحسن حالتها وتخرج من عزلتها.

السؤال هل الإكتئاب قادر على أن يفعل كل ذلك في الإنسان ؟!

نعم. الإكتئاب قادر على أن يسرقك ويجعلك رهينه عنده . يجعلك تغادر نفسك قبل أن تغادر مكانك .تصبح بلا إحساس اوحماس او روح. أنت مجرد أنفاس تدخل وتخرج بلا متعة الحياة الحقيقية. تصير تماماً مثل مريض نائم على جهاز التنفس الصناعي في احد المستشفيات. يُضخ إليك الأكسجين بينما أنت لا تتنفسه طواعية. أنت تشاهد كل شيء وكأنك منفصل تماماً عما تعايشه لا تحزن او تبكى لوفاة أحد ولا يهزك أي خبر حزين. لا تفرح مهما كان هناك أشياء مفرحة. حتي إن أكثر الأيام ألماً نفسياً عليك هي تلك التى اعتدت الفرحة بها.فتجد أيام العيد هي أثقل الأيام على قلبك لأنك لا تستطيع حتي التمثيل او مجاراة من حولك والابتسام حتي في وجوههم.
مؤلم جدا جدا ذلك الاكتئاب لن اوصفه بأنه قاتل السعادة او سارق نفسك التي اعتدت عليها ولن اسميه هادم الملذات تماماً مثل الموت بل أبشع لأن الموت في بعض الأحيان نهايته سعيدة وهي لقاء الله ودخول الجنة. أما الاكتئاب لا يرافقه إلا الزفرات والدموع والتنهيدات التي تشق الصدر وسهر الليالى محدقاً في سقف غرفتك متألماً لا تعرف لمصيرك أي نهاية. حالة غريبة من توهان النفس فتصبح هائماً على وجهك تبحث عن نفسك ولا تجدها. أبشع اللحظات هي عندما تقابل نفسك بالمرآة. تجد نفسك تري شخصاً آخر لا يشبهك. وجه شاحب ،و وز ن زائد ،وروح مستهلكة وهالات سوداء تخفي جمال عينيك. أنت أصبحت مُغلف بغلاف من الهم ، والحزن والكآبة.

يتسائل البعض لماذا المكتئب يفضل الوحدة والانعزال؟!

الرد الصادم لك لو كان بجانبه أُناس حقيقيون لما وصل إلى الاكتئاب. فليست العبرة بكثرة عدد من حوله ،ولا أيضاً العبرة بتواجدهم المستمر.بل العبرة بمن فيهم إنسان حقيقي يملك في قلبه رحمه .من فيهم احتوي ،من فيهم ضم المكتئب في حضنه ،من فيهم مسح دموعه ،من فيهم استمع إليه وهون عليه قبل أن يقع فريسة الاكتئاب .
كان وحيداً حزيناً شريداً تائهاً وسط كل هولاء رغم الزحام.

أبشع أنواع الإكتئاب هو محاولة المكتئب التأقلم مع الحياة ،رغم اكتئابه لأنه لا يملك رفاهية الإنهيار. يبتسم وقلبه يتمزق حتي يذهب إلى عمله ويسدد مصاريف حياته ومن يعول .يرد على الناس بكلمات قليلة جداً عند الضرورة لأن اقل الكلمات تستهلك منه طاقة وتجهده نفسياً. يعود يقوم بمهامه بمشقة مهما كانت بسيطة داخل المنزل حتي يريح ضميره أنه لا يقصر في حق من حوله ،ولا يشعر به احد او بمصيبته.
او أنه يموت بالبطئ وبالتدريج لماذا لا يحس به أحد؟!
لأنه يجيد التمثيل ويبتسم في وجه الآخرين لأنه اعتاد الألم والمعاناة والإبتسامة لا تتخطى شفتاه. ولكن القلب يدمى والروح تتمزق. إنه الاكتئاب الباسم. كل ما عليكم تجاه هؤلاء ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء. إن لم تستطيعوا مساعدتهم فلا تجرهوهم بكلماتكم فهم لديهم من الأسى والحزن والخذلان ما يكفيهم.

مقالات ذات صلة