الثقافة بين الرسالة و الاستعراض

الثقافة بين الرسالة و الاستعراض.
كتب؛ محمود جاب الله
هناك نوع من المثقفين لا تقتله قلة القراءة، بل تقتله كثرة التعالي. مثقف يحفظ أسماء الفلاسفة ولا يحفظ اسم جاره، يكتب عن معاناة الفقراء من مقهى فاخر، ويحدثك عن هموم الوطن وهو لم يركب يوما أتوبيسا عاما.
المثقف المريض ليس جاهلا، بل هو عليم مصاب بفقر الشعور. يرى نفسه فوق الناس لا منهم، يتحدث بلغة معقدة حتى لا يفهمه أحد فيظن نفسه عميقا، ويعتبر كل من اختلف معه جاهلا، وكل من انتقد مسئول بطلا، وكل من اقترب من الناس سطحيا. هو يعيش في برج عاجي صنعه من كتب مترجمة ومصطلحات مستوردة، وينسى أن الثقافة الحقيقية هي التي تمشي في الشارع.
المثقف السليم هو الذي إذا كتب بكى القارئ لأنه كتب عنه، أما المثقف المريض فإذا كتب بكى على نفسه لأنه لم يفهمه أحد. الأول يبسط الفكرة العميقة لتلامس قلب الفلاح والعامل، والثاني يعقد الفكرة البسيطة حتى لا يطولها إلا أمثاله. الأول يسأل: ماذا يحتاج الناس؟ والثاني يسأل: ماذا سيقولون عني؟
مرض هذا المثقف ليس في عقله، بل في نيته. ثقافته تحولت من رسالة إلى وظيفة، ومن قضية إلى ديكور، ومن انحياز للناس إلى استثمار في الأزمات. يظهر في وقت الفوضى ليبيع الكلام، ويختفي وقت البناء لأنه لا يجيد إلا الهدم. ينتقد كل شيء ولا يقدم شيئا، يلعن الظلام ولا يشعل شمعة.
لقد شبعنا من المثقف الذي يكتب ليُقال عنه مثقف، واحتجنا إلى المثقف الذي يكتب لأن هناك جرحا يجب أن يضمد. نحتاج إلى مثقف يغسل يديه من التعالي، وينزل إلى الأرض، يجلس على مصطبة، ويسمع، ثم يكتب. لأن الثقافة ليست أن تعرف أكثر، بل أن تشعر أعمق، وأن تكون للناس لا عليهم.

