المقالات والسياسه والادب

العدالة المزيفة

العدالة المزيفة

بقلم : محمود جاب الله

كشفت الأجهزة الأمنية عن واقعة نصب جديدة اتخذ فيها المتهم من هيبة القضاء ستاراً لجرائمه، حيث انتحل صفة “قاضى” وحاول “تصوير” نفسه بالمؤسسة القضائية لابتزاز المواطنين والحصول على أموالهم. 

وبدأ المتهم اتصالاته بالضحايا..

 

لا تقل إن القاضى كان مزيفا…

فهذا حكم صغير على حادثة كبيرة …

الحقيقة أن الذى أصابه التزييف أولا لم يكن القاضى ،

 ولا الطبيب الذى إنتحل صفة جرّاح قلب ، ..

ولا المستريح الذى جمع الملايين ثم اختفى…

بل المجتمع نفسه …

المجتمع الذى لم يعد يقيس الرجال بما صنعوا…

بل بما يملكون.

ولم يعد يفتش عن الحقيقة…

بل عن الحلم.

وحين يمرض المجتمع بهذه الطريقة، لا يصبح ظهور المزيف استثناءً…

بل يصبح غيابه هو الاستثناء.

فالقاضى المزيف ليس بداية القصة…

بل آخر حلقة فى سلسلة طويلة من تزييف المعايير ،

 وإختلال القيم ، 

 وعبادة الثراء السريع ، 

حتى أصبح بعض الناس لا يريدون أن يصنعوا النجاح… 

بل أن يرتدوه.

ولهذا لا أريد – فقط – أن أحاكم رجلا إنتحل شخصية قاضٍي…

بل أريد أن أحاكم ثقافة مجتمع جعلت إنتحال الشخصيات أسهل من بناء الشخصية ، 

وجعلت الوهم أكثر ربحا من الحقيقة، 

والمظهر أكثر قيمة من الجوهر ..

إن أخطر ما فى التزييف أنه لا يبدأ من الأوراق المزورة…

بل يبدأ يوم يزوّر المجتمع معنى النجاح نفسه …

إننى حين قرأت قصة القاضى المزيف ..، لم أندهش …

ولم أندهش أكثر عندما تذكرت واقعة من إنتحل صفة جرّاح قلب ، ودخل غرف العمليات، وأجرى عمليات لمرضى قبل أن يكشف أمره.

فالدهشة ليست فى وجود المزيف…

الدهشة أن يجد المزيف كل هذا العدد من الأبواب مفتوحة !!!! 

إن المشكلة ليست فى رجل إرتدى روب القضاء …، 

ولا فى آخر إرتدى معطف الطبيب ….

المشكلة أن المجتمع أصبح ،

 فى كثير من الأحيان ، 

يمنح ثقته للمظهر قبل أن يمنحها للحقيقة …

ولذلك لا أستطيع أن أصف هؤلاء وحدهم بأنهم مزيفون.

إنهم أبناء عصر إتسعت فيه ثقافة التزييف ….، 

حتى أصبح إدعاء المكانة أسهل من إكتسابها ،

 وأصبح تمثيل النجاح أسرع من صناعته …

كل حضارة تنتج نماذجها …

وحين تصبح الصورة أهم من الجوهر ، 

واللقب أهم من الكفاءة، 

والإنبهار أهم من التحقق ، 

فلا تتعجب إذا خرج علينا من يتقن صناعة الصور أكثر مما يتقن صناعة الحقيقة …

ثم إنظر إلى الظاهرة من زاوية أخرى …

القاضى المزيف لا يختلف كثيرا عن المستريح …

الأول باع للناس هيبة المنصب ..

والثانى باع لهم حلم الثراء !!! 

وكلاهما لم يكن يبيع شيئا يملكه…

بل كان يبيع ما يتمنى الناس أن يصدقوه …

إن المحتال لا يصنع الطمع…

إنه يستثمره !!! 

ولا يخترع الوهم…

بل يجده جاهزا فى النفوس ..

فى تلك اللحظة، لا يعود المستريح مجرد نصاب…

بل يتحول إلى بائع أحلام.

ولا تعود الضحية تبحث عن الحقيقة…

بل تبحث عمن يطمئن قلبها …

فالثراء لم يعد وسيلة للحياة…

بل صار إختصارا للحياة …

الناس لم تعد تريد أن تعيش…

بل تريد أن تقفز ..

تقفز فوق الزمن…

وفوق العمل…

وفوق الخبرة…

وفوق قوانين الكون التى جعلها الله قائمة على التدرج …

 …

فالقاضى المزيف ، والطبيب المزيف ، والمستريح ، 

ليسوا حوادث منفصلة …

إنهم علامات على خلل أعمق.

خلل فى ترتيب القيم …

حين يصبح الوصول هو الفضيلة ، 

مهما كانت الوسيلة …

عندها لا يكون المزيف هو الإستثناء ……!!!! 

بل يصبح الإستحقاق هو الذى يحتاج إلى من يدافع عنه …

ولذلك… فإن القضية ليست أن سجن القاضى المزيف ، أو نطارد المستريح ، أو يفضح الطبيب المنتحل …

فهؤلاء جميعا أعراض…

أما المرض فهو أعمق …

المرض هو مجتمعٌ إختلطت فيه القيمة بالسعر ، والنجاح بالثروة، والمكانة بالمظهر ، 

حتى أصبح الطريق الطبيعى إلى المجد يبدو غباءا ، 

والطريق المختصر يبدو ذكاءا ، 

والحقيقة المؤسفة انه لن يتوقف المزيفون حين تكثر السجون…

بل حين نعيد للناس إيمانهم بأن ما يبنى فى سنوات ، 

لا يجوز أن يختصر فى صفقة، ولا فى لقب ، 

ولا فى كذبة …

فالحضارات لا يسقطها المزيفون…

بل يسقطها اليوم الذى يصبح فيه التزييف مقبولا أكثر من الحقيقة ..

 وحين يصبح الكذب هو الطريق الأقصر إلى الفلاح … 

ويصبح الصدق هو الطريق الأطول إلى النجاح.

.

الحقيقة أن الذى أصابه التزييف أولا لم يكن القاضى ،

 ولا الطبيب الذى إنتحل صفة جرّاح قلب ، ..

ولا المستريح الذى جمع الملايين ثم اختفى…

بل المجتمع نفسه …

المجتمع الذى لم يعد يقيس الرجال بما صنعوا…

بل بما يملكون.

ولم يعد يفتش عن الحقيقة…

بل عن الحلم.

وحين يمرض المجتمع بهذه الطريقة، لا يصبح ظهور المزيف استثناءً…

بل يصبح غيابه هو الاستثناء.

فالقاضى المزيف ليس بداية القصة…

بل آخر حلقة فى سلسلة طويلة من تزييف المعايير ،

 وإختلال القيم ، 

 وعبادة الثراء السريع ، 

حتى أصبح بعض الناس لا يريدون أن يصنعوا النجاح… 

بل أن يرتدوه.

ولهذا لا أريد – فقط – أن أحاكم رجلا إنتحل شخصية قاضٍ…

بل أريد أن أحاكم ثقافة جعلت إنتحال الشخصيات أسهل من بناء الشخصية ، 

وجعلت الوهم أكثر ربحا من الحقيقة، 

والمظهر أكثر قيمة من الجوهر ..

إن أخطر ما فى التزييف أنه لا يبدأ من الأوراق المزورة…

بل يبدأ يوم يزوّر المجتمع معنى النجاح نفسه …

مقالات ذات صلة