المقالات والسياسه والادب

الفلك والطوفان حين يتجلى وعد الله

كتبت ا. سبيله صبح
تحدثنا فى الحلقة الماضية عن نوح عليه السلام ولماذا بُعث إلى قومه ؟ وكيف اتخذ جميع سبل الدعوة سرًا وجهرًا ، وكيف قابله قومه بالعصيان، ثم يأتى الأمر جليًا واضحًا : أن اصنع الفلك ، وهنا يأتى موعدنا لاتمام قصة نبي الله نوح عليه السلام…..
…. بعد سنوات طويلة من الدعوة والصبر ، وبعد أن جاء الوحي الإلهي الحاسم ” بأن أحدًا جديدًا لن يؤمن ” ، بدأ فصل جديد في القصة:
حيث أمر الله نبيه عليه السلام أن يصنع الفلك.
لم يكن أمرًا عاديًا؛ “سفينة تُبنى في أرض لا بحر فيها، وتحت أعين قومٍ يملؤهم الاستهزاء”.
كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه:
فيقولون : أصبحت نجارًا يا نوح بعد أن كنت نبيًا؟
لكنه لم يلتفت إلى سخريتهم.
بل كان يعمل بوحيٍ من الله، ويقينٍ لا تَهُزُهُ كلمات البشر.
….لحظة الانفجار العظيم للطوفان…..
أخيرًا …. جاء الموعد الرتقب .
أمر الله السماء أن تُمطر مطرًا غزيرًا، وأمر الأرض أن تتفجّر عيونها فتخرج كل ما بها من ماءً.
وهنا …. التقى ماء السماء بماء الأرض، وبدأ الطوفان يعمّ كل شيء.
ركب نوح ومن آمن معه السفينة، وحمل فيها من كل زوجين اثنين كما أَمره ربه ” حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ”
كان المشهد مهيبًا:
أمواج كأنها جبال، والناس في فزع، والسماء تمطر بلا توقف.
وهنا جاء مشهد الابن… الألم الأعظم ، والفزع الأكبر …
وسط هذا المشهد، رأى نوح ابنه الذي لم يؤمن .
ناداه بقلب الأب قبل صوت النبي: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين.
لكن الابن اختار العناد، وظن أن الجبل سينجيه من الماء.
” سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء “.
فجاء الرد الإلهي واضحًا لا رجوع فيه ولا شفاعة :
“لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم”.
وغرق الابن، وبقي الدرس الخالد:
أن النجاة ليست نسبًا ولا قُربًا، بل إيمانًا وطاعة.
كان هذا المشهد من أشد لحظات القصة ألمًا، لكنه أيضًا من أبلغها في بيان عدل الله.
انحسار الماء… وبداية جديدة
انتهى الطوفان …ثم جاء الأمر من رب السماء :
“يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي” .
هدأ الطوفان، واستوت السفينة على الجودي.
وبدأت صفحة جديدة في تاريخ البشرية؛ نجا المؤمنون ، وهلك من أصرّ على الكفر.
وتحوّلت السفينة إلى رمزٍ للنجاة بالإيمان، لا بالقوة ولا بالحيلة.
… درس وعبرة …
قصة نوح عليه السلام ليست مجرد حكاية عن طوفان، بل مدرسة كاملة في:
الصبر الطويل دون يأس.
والثبات على الحق رغم السخرية.
العمل حتى في أصعب الظروف.
التسليم لأمر الله عند اكتمال المهمة.
لقد علّمتنا القصة أن الدعوة قد تطول، وأن النتائج قد تتأخر، وأن الابتلاء قد يكون قاسيًا… لكن وعد الله حق.
ختام القصة… وبداية العبرة
انتهت القصة، لكن العبرة باقية في كل زمان.
فكما نجّى الله نوحًا ومن معه، ينجي كل من ركب سفينة الإيمان، وتمسّك بطاعة الله في وجه الطوفان — أيًّا كان شكله.
وهكذا تكتمل رحلة نبي الله نوح عليه السلام:
من دعوةٍ بدأت بكلمة “اعبدوا الله”،
إلى نجاةٍ ختمها الله بسلامٍ على العالمين.

“سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ” .

مقالات ذات صلة