القلب الميت

القلب الميت
بقلم الكاتبة إيمان نجار
*”أنا الميت الذي يحفظ قلبه في تابوت الصدر… حيٌّ بوجعه، ميتٌ بنبضه.”*
جلستُ إلى نفسي كمن يحاكم ظلّه…
قلتُ: يا قلبًا كان يومًا وطنًا… كيف صرتَ أرضًا خرابها لا يسكنه سوى الصدى؟
ألم تكن تصرخ بالحب؟
فلماذا باتت دقاتك تشبه وقع المجازر؟
يا أيها المصلوب على جدار الصمت،
أما آن لك أن تنزل عن خشبة الإنتظار؟
أما مللتَ أن تكون حياةً لا تموت… وموتًا لا يُدفن؟
فجأة جائني صوتاً ماكنت أتوقع سماعه …صوت خرج من بين ضلوعي ،،،
أنا ذاك القلب الذي نُسي في تابوت الصدر…
لا ينبض، بل يهمس بأصوات لا يسمعها أحد، كأن فيه طلاسم قديمة نُقشت بأظافر الأشباح.
سُحِب منه الدم، وحُقنَ بمداد الحبر الأسود…
فصار يكتب وجعي بدل أن يشعره.
لم أعد أصرخ…
أنا الآن أُصدر صدى الصمت،
صدى يأتيك كأزيز نحلة تموت في علبة زجاج، تدور دون جناحين.
قلبي؟
لا، لا تُسمِّيني قلبًا بعد الآن…
أنا مقبرة محكمة الغلق،
قفلها طَفَح بالملح من كَثرة ما بكى عليه الزمن.
أعيش كأنني ممثل في مسرحية لا جمهور لها،
أصرخ… أبكي… أركض… أُقتل…
ثم أُبعث في المشهد التالي كأن شيئًا لم يكن.
كنت أظن أن الخذلان جدار…
لكنني الآن أعلم أنه متاهة،
مغطاة بمرايا، كلّها تعكس وجهي وهو يتعفن بالبُطء.
قل لي، أي حياة هذه التي تُدار بقلب مربوط في زقاق مهجور؟
أي قلب هذا الذي ما زال يُحب من نَحرهُ ذات مساءٍ بعبارة؟
أقسم لك…
لو استطعت الخروج
لتركتني أتفسّخ على قارعة القصائد،
ليرى الشعراء كم أن الحب حين يُخطئ بابَه…
يُخلِّف رائحة موتٍ لا تُغتَسل.
ياقلبي لست إلا ساحة حرب بين طوفان من الرعود الصامتة، حيث تهاجمك عواصف الألم المتوحشة، وتُغرقك بحبر الظلام الذي لا يندثر.
فيك، جثث الأمل متراكمة، وأرواح الانكسار ترقص على أنقاض الحلم المُتلاشِي.
أشعر بأننا أسيران في متاهة من مرايا مكسورة، تعكس وجوهًا لا نعرفها، أصواتًا تشبه صراخ الأشباح في صمت الليل الأبدي.
كل نبضة تنزف كجرح غائر، كل نفس يشبه طعنة سكين تدمي الروح، وأنت ياقلبي الميت، قصيدتي الأخيرة التي لا تقرأها سوى ظلال الوحدة والموت.
هل بقي للحياة معنى حين يُخنق الصمت أحلامنا؟
هل يبقى نور في نهاية نفق تحاصره أعاصير القنوط؟
ربما… وحده الجنون هو الملجأ الأخير، واللغة الوحيدة التي تفهمها أيها الممزق.
…والآن، أيها السامعون، اتركوا لي لحظة واحدة مع هذا الجحيم الهاد
ئ، فأنا لست إلا صدى صدقٍ في عالمٍ يتآكل فيه كل شيء.



