المقالات والسياسه والادب

الكتاب السيء

الكتاب السيء

بقلم: نور شاكر 

 

كثيرًا ما نسمع من بعض القراء أحكامًا قاطعة من قبيل «هذا أسوأ كتاب قرأته»، أو «كتب التنمية البشرية مبتذلة»، أو «روايات الفانتازيا سخيفة»، أو «هذا الكتاب لا قيمة له»

 والأغرب من ذلك أن يتحول الحكم على كتاب واحد إلى حكم على جنس أدبي كامل، وكأن تجربة قارئ واحدة تكفي لإصدار حكم نهائي على آلاف الكتب والكتاب والقراء

 

لكن، هل هذه هي الطريقة التي ينبغي أن يتحدث بها القارئ الحقيقي عن الأدب؟

 

في رأيي، هناك فرق كبير بين أن تقول: «هذا الكتاب سيئ»، وأن تقول: «هذا الكتاب لم يناسبني»

 

ما لا يلامس ذوقك أو مستوى نضجك الفكري، قد يكون بالنسبة إلى قارئ آخر كتابًا مهمًا، أو بداية جميلة لعلاقته بالقراءة

 

القارئ الحقيقي لا يدخل عالم الكتب بعقلية القاضي الذي يبحث عن الأخطاء ليصدر الأحكام، وإنما بعقلية المستكشف الذي يعرف أن الأدب واسع، وأن لكل كتاب جمهوره، ولكل مرحلة عمرية وفكرية ما يناسبها

 

هناك كتب للأطفال، وكتب للمراهقين، وكتب للمبتدئين، وأخرى للمتخصصين، وكتب للباحثين، وكتب كتبت لمجرد التسلية، وأخرى تبحث في أعماق النفس والوجود

 وليس من العدل أن نطلب من جميع هذه الكتب أن تؤدي الوظيفة نفسها

 

فليس كل كتاب مطالبًا بأن يغير حياتك

 

بعض الروايات كتبت للمتعة، وبعضها لصقل الموهبة، وبعضها لتوسيع المخزون اللغوي، وبعضها ليكون مدخلًا إلى عالم القراءة لمن لم يقرأ من قبل وقد ترى أنت رواية بسيطة أو سطحية، بينما تكون هي الكتاب الذي جعل قارئًا صغيرًا يحب القراءة للمرة الأولى

 

وكذلك الحال مع كتب التنمية البشرية قد لا تجد فيها ما يشبع فضولك بعد سنوات من القراءة، وقد تراها مباشرة ومكررة أو محدودة العمق، وهذا حقك تمامًا

 لكن هل يعني ذلك أنها عديمة القيمة لكل إنسان؟

 

ربما كان الكتاب الذي تراه أنت مبتذلًا هو أول كتاب قرأه شاب في حياته، وربما كان بفضله قد اكتشف متعة القراءة، ثم انتقل بعد ذلك إلى كتب أكثر عمقًا وتعقيدًا 

وربما كانت رواية تراها أنت بسيطة بابًا دخل منه شخص آخر إلى اللغة والأدب

 

الأمر أشبه بالسُلم لا يمكنك أن تطلب من شخص في أول درجاته أن يقفز مباشرة إلى أعلى الدرجات

 

هل ستنصح قارئًا في بداية رحلته بقراءة أرسطو في الفلسفة، أو الكتب النقدية والفكرية الثقيلة، ثم تستغرب عندما يشعر بالعجز والملل؟ أم أنك ستختار له كتابًا يناسب عمره وتجربته ومستواه، ثم تترك له المجال ليتدرج حتى يصل بنفسه إلى الكتب الأكثر تعقيدًا؟

 

القراءة ليست سباقًا، وليست استعراضًا ثقافيًا

 

ليست قيمة القارئ في عدد الكتب التي قرأها، ولا في قدرته على السخرية من الكتب التي يقرأها الآخرون، وإنما في قدرته على فهم اختلاف الأذواق والمراحل والاحتياجات.

 

حتى القواميس والمعاجم وكتب اللغة قد تبدو مملة وثقيلة بالنسبة إلى كثير من الناس، لكنها بالنسبة إلى طالب أو كاتب أو شخص يحاول تحسين لغته أدوات لا غنى عنها

فما يبدو لك بلا متعة قد يكون بالنسبة إلى غيرك وسيلة للتطور

ولهذا، عندما لا يعجبك كتاب، يمكنك أن تقول:

-لم يناسبني

-لم أجد فيه ما كنت أبحث عنه

_أسلوبه لم ينسجم مع ذائقتي

أراه عاديًا، ولا أعتقد أنه يستحق هذه الشهرة

-وجدت فكرته محدودة بالنسبة إلى تجربتي في القراءة

 

كل هذه العبارات تمنحك حقك في النقد، دون أن تنتقص من حق الآخرين في الاستمتاع بالكتاب

 

أما أن تقول

«هذا كتاب سيئ، ومن يقرأه لا يفهم الأدب»

 فأنت لا تنتقد الكتاب بقدر ما تكشف عن حدود رؤيتك له

 

ومع ذلك، لا يعني هذا أن علينا أن نؤمن بأن كل كتاب عظيم أو أن كل ما يُنشر يستحق الإشادة

بالطبع هناك كتب ضعيفة، وكتب ركيكة، وكتب تعاني من مشكلات واضحة في اللغة أو البناء أو الفكرة النقد حق، بل هو جزء أساسي من الحياة الأدبية

 لكن الفرق بين النقد الحقيقي والحكم السطحي هو أن الناقد يشرح لماذا لم ينجح الكتاب

 بينما يكتفي الحكم السطحي بوصفه بأنه سيئ أو سخيف أو مبتذل

 

والأهم من ذلك كله: لا تحول ذوقك الشخصي إلى قانون أدبي

 

القارئ الواسع لا يقرأ فقط ما يشبهه، بل يحاول أن يفهم لماذا يقرأ الآخرون ما لا يقرأه هو

 يعرف أن الأدب عوالم متعددة، وأن الإنسان نفسه يتغير

فما كان يعجبه في الخامسة عشرة قد لا يعجبه في الخامسة والعشرين، وما كان يراه تافهًا بالأمس قد يكتشف فيه معنى جديدًا اليوم

 

لذلك، قبل أن تقول عن كتاب: 

إنه سيئ اسأل نفسك أولًا

 

هل الكتاب سيئ فعلًا، أم أنه ببساطة لم يكن الكتاب المناسب لي؟

 

فقد تكون المشكلة ليست في الكتاب، وإنما في أنك كنت تبحث فيه عن شيء لم يُكتب أصلًا ليقدمه

وفي النهاية القارئ الحقيقي، لا يحتاج إلى تحطيم الكتب التي لا يحبها كي يثبت أنه قارئ

 بل يعرف أن يحترم الكتاب، ويحترم قارئه، وينتقده بوعي، ويترك لكل إنسان حقه في أن يجد في الأدب ما يشبهه.

 

فالقراءة الحقيقية ليست أن تعرف ماذا تقرأ فقط، بل أن تعرف أيضًا لماذا يقرأ الآخرون ما لا تقرأه أنت.

مقالات ذات صلة