المقالات والسياسه والادب

الكدر لا يغير القدر..بقلم: مستشار محمود السنكري

الكدر لا يغير القدر

بقلم: مستشار محمود السنكري

في لحظات الكدر، حين يشتدّ الضيق وتتلبّد سماء الروح بغيوم الحزن، يتهيّأ للإنسان أن العالم بأسره قد ضاق به، وأن الأبواب أُوصدت في وجهه. غير أنّ هذه اللحظات – على قسوتها – ليست سوى ومضات عابرة في كتاب العمر الطويل. الكدر شعور طارئ، والقدر مسار ثابت، لا تحرّكه الدموع ولا تغيّره الأنّات، لأن ما كُتب قد كُتب، وما شاء الله كان.

إن الإنسان حين يستسلم للضيق، يظن أنه يملك بيديه خيوط القدر، فيحزن ويغتمّ وكأنه قادر على إعادة رسم خارطة حياته بما يناسب هواه. لكن الحكمة تهمس في أذن كل قلب موجوع: لا شيء مما تقاسيه يُغيّر ما كُتب لك، فخفّف عن نفسك ثقل الأحزان، وتعلّم كيف تمضي بخطى ثابتة رغم العواصف.

الكدر امتحان، والقدر اختيار إلهي. وبين الامتحان والاختيار يكمن المعنى العميق للحياة. فالكدر يختبر صبرك، يعلّمك كيف تُروّض نفسك على الرضا، وكيف تبحث عن بصيص نور وسط الظلام. والقدر يُذكّرك أن كل ما يحدث لك، خيره وشرّه، إنما هو جزء من حكمة أكبر منك، ولغز لا ينكشف إلا لمن يسلّم قلبه قبل عقله.

علّمنا الزمن أن الحزن مهما طال يتقزّم أمام إرادة الإنسان في النهوض، وأن الشكوى لا تعيد ما ضاع، كما أن الغضب لا يردّ ما فات. وحده الرضا يزرع في القلب طمأنينة تداوي الجراح، ووحده الإيمان يمدّ الروح بطاقة تعبر بها وديان الابتلاء.

فلننظر إلى الكدر بعين العابر لا بعين المقيم، ولنجعل منه جسراً نحو النضج لا سجنًا يقيّدنا في زاوية اليأس. ولنتذكّر دائمًا أن ما قُدّر لنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. بهذا الفهم يصبح القلب أوسع، والعقل أهدأ، والروح أكثر يقينًا بأن القدر ليس عدوًّا، بل رفيقًا يمشي بنا نحو الوجهة التي كُتبت لنا منذ الأزل.

الكدر لا يُغيّر القدر، لكنه قادر أن يغيّرك أنت: أن يجعلك أقوى، أصفى، وأقرب إلى حقيقة نفسك وربك. ومن يدرك هذه المعادلة يعيش حرًّا من أثقال التذمّر، راضيًا بما قُسم له، ممتنًّا لكل ما مرّ به، لأنه يعلم أن كل خطوة في رحلته كانت ضرورية لتشكيل قلبه كما هو اليوم.

مقالات ذات صلة