النهايات أخلاق.. بقلم: مستشار محمود السنكري
النهايات أخلاق
بقلم: مستشار محمود السنكري
ليست البدايات هي التي تكشف معدن الإنسان فالبدايات غالبًا ما تأتي مزينة بالأماني ومغطاة بحماسة اللحظة الأولى حيث تتسع الوعود ويعلو بريق الكلمات.
أما النهايات فهي المرآة الصافية التي لا تجامل أحدًا ، هناك عند آخر الطريق تسقط الأقنعة وتتكلم الأخلاق بصوتٍ واضح لا يحتمل التأويل.
النهاية ليست مجرد لحظة انقضاء بل لحظة اختبار حقيقي.. اختبار لما كان مخبوءًا تحت طبقات المجاملة والادعاء والمصالح فمن يبدأ معك بوجهٍ بشوش قد ينهي الحكاية بوجهٍ آخر وهناك فقط تدرك أن الأخلاق الحقيقية لا تُقاس بلحظة اللقاء بل بلحظة الوداع.
كم من علاقات بدأت بحفاوة كبيرة لكنها انتهت بخفة جارحة كأن كل ما سبق لم يكن سوى تمهيدٍ لسقوط أخلاقي في المشهد الأخير وكم من خصومات قاسية انتهت بقدر من النبل جعل النهاية أسمى من كل ما سبقها. هنا يتجلى الفارق بين من يملك أخلاقًا أصيلة ومن يرتدي الأخلاق حين تخدم مصالحه.
النهايات أخلاق لأن الإنسان عند النهاية لا يكون مضطرًا للتمثيل ، حين يرحل أو حين يُنهي علاقة أو حين يُغلق بابًا في حياة شخص آخر يظهر معدنه الحقيقي فإما أن يخرج بكرامة تاركًا خلفه أثرًا طيبًا وإما أن يترك جراحًا تثبت أن ما كان يبدو فضيلة لم يكن سوى قناع مؤقت.
في السياسة في الصداقة في الحب وحتى في أبسط المعاملات الإنسانية النهايات هي النص النهائي الذي يختصر الحكاية كلها ، قد تغفر الذاكرة أخطاء الطريق لكنها نادرًا ما تغفر النهاية القبيحة لأنها تختصر المعنى وتترك الأثر.
والحقيقة المؤلمة أن بعض الناس يتقنون فن البدايات لكنهم يفشلون في أخلاق النهايات ويبرعون في كسب القلوب لكنهم يعجزون عن مغادرتها بسلام وكأنهم ينسون أن التاريخ الشخصي للإنسان لا يُكتب فقط بما فعله في البداية بل بما تركه وراءه في النهاية.
إن أخلاق النهاية ليست رفاهية بل مقياس رقي.. أن تنهي علاقة دون تشويه وأن تغادر دون خيانة وأن تختلف دون أن تهدم كل الجسور تلك هي علامات النفوس الكبيرة فالنبل الحقيقي لا يظهر حين تكون الظروف سهلة بل حين يصبح الرحيل حتميًا.
النهاية الكريمة تقول الكثير تقول إن الإنسان كان صادقًا في حضوره وأنه لم يحول الخلاف إلى انتقام ولا الوداع إلى ساحة لتصفية الحسابات ،
إنها لحظة تكتب فيها الروح آخر جملة في الرواية فإما أن تكون جملة تليق بما سبقها أو تكون سقوطًا مؤلمًا بعد صفحات واعدة.
ولهذا تبقى قاعدة الحياة الصارمة:
ليس المهم كيف تبدأ الحكاية
بل كيف تنتهي
فالبدايات قد تخدعنا
لكن النهايات لا تكذب..



