المقالات والسياسه والادب

الوجع اللي علّم السكوت

 

كتبت د/ شيماء صبحي 

الوجع اللي علّم السكوت

في حاجات بتوجعك لدرجة إنك مش بتقدر حتى تشتكي، وجع يخليك ساكت، لا بتعيّط ولا بتتكلم، كأن الكلام خلاص بقى تقيل على لسانك، والدموع نشفت من كتر ما نزلت قبل كده.

وجع يخليك تبص في السقف بالليل، وتحس إنك مش عايز حاجة من الدنيا، ولا حتى التفاهم، ولا حتى التبرير. خلاص، اتكسرت جواك حاجة، واللي اتكسر ملوش صوت، ملوش أنين، ملوش حتى رغبة إنه يتصلّح.

في نوع من الوجع بيخلّيك تسكت لأنك جرّبت قبل كده تحكي، ومحدش حسّك، وجرّبت تبرر، واتفهمت غلط، وجرّبت تشتكي، واتقالك “عدّي”. فقررت تسكت، وسكوتك بقى درع، مش ضعف.

السكوت ساعات بيبقى لغة ناس موجوعة من كتر اللي شافته، لغة ناس كانت بتدي ببساطة، واتصدمت، ناس كانت صافية لدرجة إن الغدر جرحها مش مرة، لأ، عشرات المرات، لحد ما بقت المشاعر عاملة زي الزجاج المكسور… تحاول تلمّه يجرّحك أكتر.

التحليل النفسي:

لما القلب يسكت بعد الوجع، ده مش دايمًا معناه إن الشخص اتبلّد أو بقى بارد… ده معناه إن جهازه العصبي والنفسي وصل لمرحلة الإنهاك الكامل. العقل بيبدأ يحمي نفسه من الانهيار، فيقفل المشاعر، كأنه بيقول: “كفاية، مش قادر أستقبل وجع تاني.”

وده بنسميه في علم النفس “الانسحاب النفسي الدفاعي” — حالة بيهرب فيها الإنسان من المواجهة مع الألم لأنه فقد الأمل في إن حد يفهمه أو يخفّف عنه.

اللي بيسكت بعد الوجع هو شخص مرّ بكل محاولات الإنقاذ النفسية: اتكلم، بكى، واجه، سامح، بس في الآخر اتعب، فاختار الصمت كوسيلة بقاء، مش ضعف.

نصيحة عملية:

لو وصلت لمرحلة إن الوجع خلاك ساكت، خد بالك إن السكوت ده مؤقت مش لازم يتحول لعزلة دائمة. اسمح لنفسك تفضفض في مساحة آمنة — حتى لو بورقة، أو جلسة علاج، أو شخص فعلاً بيسمع مش بيحكم.

وافتكر إن الشعور بالألم مش عيب، هو دليل إنك لسه عايش ولسه عندك قلب بيحس، والمهم إنك ماتسيبش الوجع يعلّمك القسوة، خليه يعلّمك الحكمة.

 

مقالات ذات صلة