الوعي والفلسفة والإيمان “الجزء الأول”
للباحث خالد عبد الصمد
قــال الفيلســـوف أرنســــت رينــــو (رينــــان) عـن أبـو حـامــد الغـــزالي الفقيــــه والأصـــولي والفيلســــوف (لـم تنتـــج الفلســـفة فكــر مبتكـــرا كالغـــزالي).
وقـد آثـــرت الفلســــفة عـلي تفكـــير الكـــثير مـن الباحــثين والمثقفـــين وســـلوكهـم. وآدي ذلــك الـي التشـــكيك فـي الـديـن الأســـلامي وكانـــت الدعــوة الـي الأنحـــلال والأضــــطراب فـي السـياســــة والفســــاد فـي المجتمـــــع.
تصـــدي الغـــزالي لذلــــك وعكـــف عـلي دراســــة الفلســــفة حـتي صـــار واحــد مـن كبـــار رجالهـــــا. وقـام بتأليـــف كتـــاب مقاصـــد الفلاســــفة. وقــال عـن الفلاســـفة رآيتهـــم أصــنافـا ورآيـــت علـومهـم أقســــامـا. وبالـرغـم مـن كـــثرة الأصـــناف يلــزمهـم وصـــمة الألحــــاد ســـواء فـي الأقدمــين أو الآواخــــر. والتفـــاوت بينهـــم عظــيم ســـواء البعــد عـن الحـــق أو القـــرب منــه.تنـــاول الغـــزالي الفلســـفة بالتحليــــل التفصـــيلي. لــذا أعـتبـــر أول عـالـم ديـــني بهـــذا التحليــــل العلمــي للفلســـفة. وقســــم الغـــزالي عـلـوم فلاســـفة اليـــونـان الـي العـلوم الرياضـــية – المنطقيـــــات – الطبيعيــــات – الإلهيـــــات – السـياســـات – الأخلاقيــــــات.وكــان أكـــثر أنتقــــادات الغــزالي لهـم فيمـــا يتعـــلق بالإلهيــــات. وقـد أنتقـــد الغـــزالي فلاســـفة الأســـلام المتـآثـرين بالفلســــفة اليونانيـــــة. وقـد ألـــف كتـــاب تهـافــت الفلاســــفة (3 مســائـل نقــــدية & 17 مســـألة أعــتبرهـا مـن البـــدع). وكـان أنتقـــاده بشـــكل خـاص لأبـن ســـينا والفـــارابي.
وقــد جــاء أبـن رشـــد (أبـو الوليـــد محمـــد بـن أحمــد بـن محمـــد) ورد عـلي كتـــاب تهـافــت الفلاســـفة فـي كتـــابين همــــا فصــــل المقـــال فيمـــا بيــن الحكمـــة والشـــريعة مـن الأتصــــال – تهافــــت التهـافـــــت.
ولكــي يســـتقر الغـــزالي عـلي التصـــوف مـر بمـراحـل عــديـدة فـي حيـــاته الفكــــرية. وقـد قـام بروايتهـــــا فـي كتــابه المنقـــذ مـن الضـــلال. وهــذه المـراحـل بـدأت بمرحـلة الشـــك الأرادي والتـي شــك فيهــــا فـي الحـواس والعقـــــل وفـي قدرتهمــــا عـلي تحصـــيل العــلم اليقيــني (الميتــافيزيقــي). ثـم مـرحـلة السـفســطة غــير المنطقـــية. ثـم التفـــرغ لدراســـــة الأفكــار والمعتقـــدات. ومـن ثـم عكـــف عـلي دراســـة عـلـم الكــلام وألــف كتـــاب الأقتصـــــاد فـي الأعتقــــاد.
ولكـــن لـم يجـــد ضـــالته فـي عـلم الكــلام فتــوجـه لعــلم الفلســــفة. وبعـــدهـا دراســــة الباطنيـــــة (الأدعــاء أن النصــوص الدينيـــة لهـا معنيـــان. الأول ظـاهـر للنـاس فـي اللغـــة ومعــرفة أســاليب الكـلام. والثـاني بـاطـن لا يـدركـه الا الـذين أختصـــهم الله بهـذه المعــرفة فيـدركـون المعــاني المســـتورة عـن عـامـة النــاس. بتعليـــم الله لهـم مباشـــرة). وأســتقر أبـو حـامـد الغــزالـي فـي النهــاية عـلي عـلـم التصـــوف. ودرس كــتب قــوت القــلوب لأبـي طالــب المكـــي. وكتــب الحـارث المحاســـبي. والمتفـــرقـات المـأثــورة عـن الجنيـــد وأبـي بكـــر الشـــبلي وأبـي يـزيد البســـــطامي.
وكـان أشـــهر مؤلفـــاته فـي التصـــوف كتــــاب أحيـــاء عـلـوم الـــدين.
فـي منتصـــف القـــرن التاســــع عشـــر الميــلادي بـدأ المســتشـرقين البحـــث فـي مؤلفـــــات الغـــزالي. نشــر المسـتشـرق الألمـاني جوشـــه بحثـــا ســنة 1858م تنــاول فيــه 40 مؤلفــــا للغــزالي. وتــلاه دانكـــن بـلاك ماكـدونلـد الأمريكـــي وجولـد تســـهير المجــري اليهــــودي ولويـس ماســـينيون الفرنســـي ووليـــام مونتغمــــري واط البريطــاني وموريـس بـويـج اليســــوعي الفـرنســـي.
المعــرفة نـور والفلســـفة أحــدي الســـبل لفهــم الـوجـود والمعــني بشـــرط أن تـوافـق مـا جـاء فـي كتــاب الله والمنهـــج والتحليــــل. والا ســـتتحول الفلســـفة الـي وســوســات شـــيطانية مــاديـة نـاكـره للماورائيـــــات. وقـد تتحـول الـي جدليــــة غالبــــا مـا تقـــود الـي الأنكـــار والألحـــاد. وكذلـك الأنحـــراف عـن التعاليــم الدينيـــــة بتأويـــلات قــد تكــون عقـلانيـة تخـالــف جــوهـر العقيـــــدة.
وفـي هـذا البحـــث المختصـــر ســـيتم أســـتعراض بعـــض مـا جــاء عـن أبـو حــامـد الغـــزالي وأبـن رشــــد فـي جــدل الأزليـــة والخـــلق مـن العــــدم.
أبـن رشـــد دافـــع عـن العقــــل والفلســـفة وأكـد أن الأيمـــان والعقـــل ليــس متنـــاقضـان. بـــل يكمـــل كـلا منهمــــا الآخـــر.
ورآي أبن رشـــد أن أســـتخدام العقـــل فـي الفلســـفة لا يتعـــارض مـع الـدين بـل يعمـــق فهــم الأنســـان لحقيقــــة الـوجـود والخـــالق. وهــذا يتضـــح بجــلاء فـي كتــاب الله تبـــارك وتعـــالي فـي كلمـــاته (تتــدبرون – تعقـــلون – تفقهـــون – تتفكـــرون – تتــذكـرون).
لــذا أســـتخدام العقـــل فـي الفلســـفة لا يعـــارض الـديـن. بــل يعمــق الفهــم للـوجـود ولخــالق الـوجـود.
أكتفـــي بهــذا القــــدر ونكمـــل فـي الجــزء القــادم أن شـــاء الله.
تم نسخ الرابط