المقالات والسياسه والادب

الوعي ودوارة التـاريخ “الجــزء الأول” بقلم الباحث: خالد عبد الصمد 

الوعي ودوارة التـاريخ “الجــزء الأول”

بقلم الباحث: خالد عبد الصمد 

ما يســمي بالتســـريبات دائمــا وأبــدا، لا تتســرب الأ بعــد وقــوع الشــئ واقعيــــا، أو تمــام الأعــداد والتخطــيط لـه، لذلـك هـو ليـس تســـريب، بـل أمــر واقـــع، ســـواء مقبــول أو مـرفـوض لا يهــم، لكــونه واقــع.

مـن لـم يتــذكـر التــاريخ، لا يتــذكـره التــاريخ، فالتـاريخ ليـس مجــرد ســرديات أو مـرويـات فقـــط، فكـافة العــلوم مرتبطــة بالتــاريخ، بـداية العــلوم كانـــت تـاريخ “ماضــي”، والتقــدم الحـالي لهــا مبـني عـلي التــاريخ، والمســتقبل لهـا بنــاء عـلي ما مضــي والحاضـــر. فالتـاريخ أو الماضــي لا يمكــن أنكــاره أو الغفـــلة عنـــه.

ولكـي يـتم أصــطناع أو أســتحداث حاضـــر بعـيد عـن التـاريخ، يبتـــدع مصـطلحات لأنكــار هـذا المـزيج الزمــني التقليــدي، مصــطلح الليبــرالية تـم أصــطناعه خـلال عصــر التنــوير، والمعــلن أنـه رد فعــل عـلي الأنظمــة الأســتبدادية والأقطـاعيـة، كمـا تـم أصــطناع مصـطلح العلمـانيـة خـلال نفـس الفتــرة، والتـي يكمــن فيهـــا رفـض الـدين بشــكل غـير مباشـــر، قـد تتقــاطع الليبــرالية والعلمـانية فـي رفـض هيمنــة الســلطة الدينيــة عـلي حيــاة الأفــراد والمجتمعــات والـدول. لكــني أعتقــد أن الليبــرالية هـي رحـم العلمــانية، فـي الظـاهـر قـد يتعارضـــا بيـن حـريـة المعتقــد والتعــبير والـدين، لكـن فـي الحقيقـــة أســقاط المبــادئ والقـواعـد والمنهجيــة الدينيـــة، هـي أســقاط الأخــلاق والأنســانية بشــكل تدريجــي.

ونتيجـــة تشــابك وتعـارض العــديد مـن الفلســـفات ومنــاهج التفكـــير، كـان لأبـد مـن ظهــور مصــطلح البراغمـاتيـة، لتعظــيم تطــور العـلوم التطبيقــية فـي بيئــة النجـاح العمــلي ونتـائجـه الملموســـة واقعيـــا، وهكـــذا مـع تعــدد المصــطلحات “الفلســفات”، يحــدث الألهـــاء والتشـــتت، فيتـم النـزاع عـلي طريقـــة التفكــير أو تبنـي فلســفة دون الآخــري.

الغــرب يتظـــاهر التحـــرر مـن الـديـن وســـلطته عـلي الدولـة، لكــن فـي الخفـــاء “الظـــل” النصــوص الدينيـــة هـي مـن تحكـم الســاحة العالميــة، لـذا فقــد الغــرب هويتــه بنســيان التـاريخ والثقـــافة، حـتي النصــوص الدينيــة تـم تفريغهـــا مـن محتــواها ومعـانيهـــا، وعـلي ســـبيل المثــال تجاهلـــت أوروبـــا طبيـــعة روســـيا، ونمـط تعاملهـــا مـع محيطهـــا الجغـرافي والسـياسـي، روســيا ترفــض الخــروج مـن تحـــت نفــوذها، أو تهــديد وحدتهـــا، أو هيمنتهــا الأقليميــة.

الصــراع الروسـي الأوكـراني، يتشــابه مـع الصـراع الروسـي الشـيشـاني، والنتجـــة واحــدة فـي ظــل قيــادة بوتيـــن، الصـراع مـع الشـيشـان، كـان بذريعــة محــاربة الأرهــاب، والصـراع مـع أوكرانيـــا، بذريعـــة محــاربة النــازية “العمــالة للغــرب”، الفــارق أن الشـيشـان لـم يتـم دعمهـــا دوليـــا، أمـا أوكرانيــا فهـي حـالـة أكــثر تعقــيدا، والـدعـم الغــربي كـان ومـا زال غــير محــدود.

 

العــديد مـن الكــتب والتـي تـم ترجمتهـــا الـي العربيـــة، وعـلي ســبيل المثــال كتــاب جيمــي ماســـي، بعنـــوان “اقتــل… اقتــل… اقتـــل… جـرائـم الحــرب الأمريكيــة عــلى العـــراق”، وتـم نشــره فـي ســنة 2006م عـن دار الطليعــة الجـديـدة، ترجمــة رجــاء الشـــبلي. ويـوثـق الكاتــب حـوادث وأفعــال قتــل أرتكبهــا جنــود أمريكيـــون ضــد مدنييــن عــزل فـي العـــراق. ويعتــرف الكاتــب بـأن جنـــودا مـن وحـدتـه قتـــلوا عشــرات المدنييــن العــزل نتيــجة المبــالغـة فـي الشــعور بالمخــاطر.

والكتــاب يعتــبر شــهادة نــادرة مـن داخــل الجيـش الأمريكــي، يقــدم فيــها جنــدي أمـريكـي ســابق ســردا صــريحا لجــرائم الحـــرب الـتي أرتكــبت ضــد العراقييــن. ولهــذا يعتبــر الكتــاب وثيقــة نقـــدية ذات بعـد أخــلاقـي وثقـــافي وسـياســي. وتســاؤلات حـول طبيعــة القـوة العســـكرية، وتدريــب الجنـــود، ومسـئوليـة الـدولـــة، والــوعـي الأنســـاني فـي ميــدان القتــل.

وهنــا قـد يتضــح أن الأحتــلال النـاعـم، هـو الأســتحواذ عـلي الـوعـي ومصــادر الحيــاة اليوميـــة، والتـي هـي تمثـــل التهــديد الـوجـودي. ســيف الأبتــزاز يقــود لمقصــلة أكــون أو لا أكــون، مـن يســعي الـي زينــة الحيــاة الدنيـــا ســـتكون المقصــله عليــه بــردا وســلاما، ومـن يســعي الـي الآخـــرة ســيتمرد وينتفــض للأطـاحـة بالمقصـــلة.

أعتقــد أن الحكــومات العميقـــة دائمـة البحــث عـن يتــولي الكراســي العليـــا والمناصــب الحسـاسـة. ليـس مصــادفة أن يتـم أختيــار مـن لا يملكــون الحكمــة والعمــق والـوعـي اليقـــظ، يتـم أختيـــار مـن يــدرك السـياســة بالمعــني الســطحي، ليكــون الأطـــار والحكـومات العميقــة هـي المحتــوي، هكــذا يـولـد الفــراغ السـياسـي والأســتراتيجي، فهــل يتـم أختيــار مـن يتـم التحكــم فيــه، أو أختيـــار مـن يتحــكم فيـه ظــله النفســـي، “والظــل هـو الجانــب المظــلم الـذي لا يــريد أحــد الأعتــراف بــه، فالظـــل يســـكن الـوعـي لـذا يـؤثـر عـلي الأختيـــارات دون أرادة”؟. وهـؤلاء المختـــارين غالبــا مـا يبحثــون عـن مـن يشـــبههم فـي ظلهــم، أمـا الـواعـي لـدية مـا يســمي باليقظـــة، وبالتــالي لـديه الشـــك والتـأمـل والتـدبر والأســئلة الـوجـودية، والحكــومات العميقـــة تـرفـض هـذا الـواعـي، الـذي يصـــعب الســيطرة عليــه، بـل تختـــار مـن يتحــلي بعقليـــة القطــيع، لقيـــادة قطــيع العـامـة بالصــراخ لا بالهمــس، وبالـوعـود والأحــلام بـدلا مـن المواجهــة بالـواقـع، الحكـومة العميقـــة تبحــث عـن الأنســـب وتســتبعد الأصـــلح، لكونهـــا تـريـد أداة مثاليــة للتنفــيذ وليـس للتفكــير.

أكتفـــي بهـذا القـــدر ونكمـــل فـي الأجــزاء القــادمة أن شــاء الله تبــارك وتعــالي.

مقالات ذات صلة