المقالات والسياسه والادب

الوَدَاعُ الأَخِيرُ

الكاتبة إيمان نجار

الوَدَاعُ الأَخِيرُ
‏لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ النِّهَايَاتِ لَا تَحْدُثُ دَفْعَةً وَاحِدَةً…
‏أَنَّ العَلَاقَاتِ تَمُوتُ بِالتَّقْسِيطِ؛
‏تَسْقُطُ مِنْهَا يَوْمًا كَلِمَةٌ،
‏وَيَوْمًا لَهْفَةٌ،
‏وَيَوْمًا ذَلِكَ الشَّيْءُ الخَفِيُّ الَّذِي كَانَ يَجْعَلُ صَوْتًا وَاحِدًا أَكْثَرَ دِفْئًا مِنْ سَائِرِ الأَصْوَات.
‏تَبْدَأُ حِينَ نَتَوَقَّفُ عَنْ حِفْظِ مَوَاعِيدِ الوُصُولِ،
‏حِينَ لَا نَعُدُّ الدَّقَائِقَ بَيْنَ رَنَّةِ الهَاتِفِ وَرَنَّةِ القَلْبِ،
‏حِينَ يَصِلُ صَوْتُ مَنْ كُنَّا نَعْرِفُهُ مِنْ نَبْرَتِهِ،
‏فَلَا يَتَغَيَّرُ فِينَا شَيْءٌ.
‏كَانَ يَجْلِسُ أَمَامِي،
‏وَبَيْنَنَا تِلْكَ المَسَافَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُقَاسُ بِالمَكَانِ،
‏بَلْ بِمَا تَبَقَّى مِنْ رَغْبَةِ كُلٍّ مِنَّا فِي الوُصُولِ إِلَى الآخَر
‏كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ كَمَنْ يُحَاوِلُ حِفْظَ وَجْهٍ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهُ الحَيَاةُ مِنْهُ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكْنَاهُ مَعًا؛
‏وَفِي يَدَيْهِ بَقَايَا أَيَّامٍ كُنْتُ أَضَعُهَا فِي قَلْبِي كَأَنَّهَا أَشْيَاءُ لَنْ تَضِيعَ.
‏لَكِنَّهَا ضَاعَتْ
‏لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنِّي فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ أَكُنْ أَحْفَظُهُ…
‏كُنْتُ أُوَدِّعُهُ.
‏كَانَ بَيْنَنَا فِنْجَانٌ بَارِدٌ،
‏وَسَاعَةٌ تَمُرُّ بِبُطْءٍ مُسْتَفِزٍّ،
‏وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ نَقُلْهَا؛
‏كَأَنَّ الكَلَامَ كُلَّهُ وَقَفَ عَلَى حَافَّةِ حَلْقَيْنَا،
‏وَخَافَ أَنْ يَخْرُجَ فَيَكْشِفَ أَنَّنَا لَمْ نَعُدْ نَعْرِفُ كَيْفَ نَبْقَى.
‏تَأَمَّلْتُ يَدَهُ طَوِيلًا.
‏تِلْكَ اليَدُ الَّتِي عَرَفَتْ يَدِي فِي العَتَمَةِ،
‏وَكَانَتْ تَعْرِفُ مِنْ اِرْتِجَافِي مَا لَا أَقُولُهُ.
‏فَكَّرْتُ أَنْ أَمُدَّ يَدِي إِلَيْهَا…
‏ثُمَّ تَرَاجَعْتُ.
‏لِأَنَّ بَعْضَ الأَيْدِي حِينَ نُمْسِكُ بِهَا فِي لَحْظَةِ الرَّحِيل،
‏تُوهِمُنَا أَنَّ مَا انْكَسَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَان.
‏وَأَنَا لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ وَهْمًا آخَر.
‏قُلْتُ لَهُ:
‏«لَا شَيْءَ.»
‏وَكَانَتْ هَذِهِ أَثْقَلَ كَذِبَةٍ قُلْتُهَا فِي حَيَاتِي.
‏كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا…
‏لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَسْتَحِقُّ أَنْ نُنْقِذَهُ.
‏عِنْدَمَا وَقَفَ لِيَرْحَلَ،
‏شَعَرْتُ أَنَّ الغُرْفَةَ اِتَّسَعَتْ فَجْأَةً بِشَكْلٍ مُرْعِب.
‏لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا فَقَطْ…
‏خَرَجَتْ مَعَهُ نُسْخَةٌ مِنِّي كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ لِلقُلُوبِ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ.
‏وَبَقِيتُ وَحْدِي.
‏أُرَتِّبُ الأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ يَعُدْ لَهَا صَاحِبٌ،
‏وَأَضَعُ الفِنْجَانَ فِي مَكَانِهِ،
‏وَأُعِيدُ الكُرْسِيَّ إِلَى الجِهَةِ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهَا…
‏كَأَنِّي أُرَتِّبُ مَسْرَحَ جَرِيمَةٍ
‏وَأُخْفِي آثَارَ مَنْ نَجَا مِنْهَا.
‏فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ،
‏لَمْ أَبْكِهِ.
‏بَكَيْتُ المَرْأَةَ الَّتِي كُنْتُهَا وَهُوَ فِي حَيَاتِي.
‏بَكَيْتُ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ يَدًا وَاحِدَةً قَادِرَةٌ عَلَى إِبْقَاءِ قَلْبٍ كَامِلٍ عَلَى قَيْدِ الرَّجَاءِ.
‏ثُمَّ أَغْلَقْتُ البَابَ.
‏وَلَمْ أَقُلْ: «إِلَى اللِّقَاءِ.»
‏لِأَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصًا نُوَدِّعُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً،
‏ثُمَّ نَقْضِي بَقِيَّةَ أَعْمَارِنَا فِي تَوْدِيعِهِمْ دَاخِلَنَا.
‏وَهَذَا كَانَ وَدَاعِيَ الأَخِيرَ لَهُ…
‏لَمْ أَفْقِدْهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ البَابِ.
‏فَقَدْ فَقَدْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ…
‏يَوْمَ صَارَتْ يَدُهُ فِي يَدِي،
‏وَلَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ أَنَّهَا مَكَانِي.

مقالات ذات صلة