الوَدَاعُ الأَخِيرُ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ النِّهَايَاتِ لَا تَحْدُثُ دَفْعَةً وَاحِدَةً… أَنَّ العَلَاقَاتِ تَمُوتُ بِالتَّقْسِيطِ؛ تَسْقُطُ مِنْهَا يَوْمًا كَلِمَةٌ، وَيَوْمًا لَهْفَةٌ، وَيَوْمًا ذَلِكَ الشَّيْءُ الخَفِيُّ الَّذِي كَانَ يَجْعَلُ صَوْتًا وَاحِدًا أَكْثَرَ دِفْئًا مِنْ سَائِرِ الأَصْوَات. تَبْدَأُ حِينَ نَتَوَقَّفُ عَنْ حِفْظِ مَوَاعِيدِ الوُصُولِ، حِينَ لَا نَعُدُّ الدَّقَائِقَ بَيْنَ رَنَّةِ الهَاتِفِ وَرَنَّةِ القَلْبِ، حِينَ يَصِلُ صَوْتُ مَنْ كُنَّا نَعْرِفُهُ مِنْ نَبْرَتِهِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ فِينَا شَيْءٌ. كَانَ يَجْلِسُ أَمَامِي، وَبَيْنَنَا تِلْكَ المَسَافَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُقَاسُ بِالمَكَانِ، بَلْ بِمَا تَبَقَّى مِنْ رَغْبَةِ كُلٍّ مِنَّا فِي الوُصُولِ إِلَى الآخَر كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ كَمَنْ يُحَاوِلُ حِفْظَ وَجْهٍ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَهُ الحَيَاةُ مِنْهُ كَانَ فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكْنَاهُ مَعًا؛ وَفِي يَدَيْهِ بَقَايَا أَيَّامٍ كُنْتُ أَضَعُهَا فِي قَلْبِي كَأَنَّهَا أَشْيَاءُ لَنْ تَضِيعَ. لَكِنَّهَا ضَاعَتْ لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنِّي فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ أَكُنْ أَحْفَظُهُ… كُنْتُ أُوَدِّعُهُ. كَانَ بَيْنَنَا فِنْجَانٌ بَارِدٌ، وَسَاعَةٌ تَمُرُّ بِبُطْءٍ مُسْتَفِزٍّ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ نَقُلْهَا؛ كَأَنَّ الكَلَامَ كُلَّهُ وَقَفَ عَلَى حَافَّةِ حَلْقَيْنَا، وَخَافَ أَنْ يَخْرُجَ فَيَكْشِفَ أَنَّنَا لَمْ نَعُدْ نَعْرِفُ كَيْفَ نَبْقَى. تَأَمَّلْتُ يَدَهُ طَوِيلًا. تِلْكَ اليَدُ الَّتِي عَرَفَتْ يَدِي فِي العَتَمَةِ، وَكَانَتْ تَعْرِفُ مِنْ اِرْتِجَافِي مَا لَا أَقُولُهُ. فَكَّرْتُ أَنْ أَمُدَّ يَدِي إِلَيْهَا… ثُمَّ تَرَاجَعْتُ. لِأَنَّ بَعْضَ الأَيْدِي حِينَ نُمْسِكُ بِهَا فِي لَحْظَةِ الرَّحِيل، تُوهِمُنَا أَنَّ مَا انْكَسَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَان. وَأَنَا لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ وَهْمًا آخَر. قُلْتُ لَهُ: «لَا شَيْءَ.» وَكَانَتْ هَذِهِ أَثْقَلَ كَذِبَةٍ قُلْتُهَا فِي حَيَاتِي. كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا… لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَسْتَحِقُّ أَنْ نُنْقِذَهُ. عِنْدَمَا وَقَفَ لِيَرْحَلَ، شَعَرْتُ أَنَّ الغُرْفَةَ اِتَّسَعَتْ فَجْأَةً بِشَكْلٍ مُرْعِب. لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا فَقَطْ… خَرَجَتْ مَعَهُ نُسْخَةٌ مِنِّي كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ لِلقُلُوبِ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ. وَبَقِيتُ وَحْدِي. أُرَتِّبُ الأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ يَعُدْ لَهَا صَاحِبٌ، وَأَضَعُ الفِنْجَانَ فِي مَكَانِهِ، وَأُعِيدُ الكُرْسِيَّ إِلَى الجِهَةِ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهَا… كَأَنِّي أُرَتِّبُ مَسْرَحَ جَرِيمَةٍ وَأُخْفِي آثَارَ مَنْ نَجَا مِنْهَا. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ أَبْكِهِ. بَكَيْتُ المَرْأَةَ الَّتِي كُنْتُهَا وَهُوَ فِي حَيَاتِي. بَكَيْتُ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّ يَدًا وَاحِدَةً قَادِرَةٌ عَلَى إِبْقَاءِ قَلْبٍ كَامِلٍ عَلَى قَيْدِ الرَّجَاءِ. ثُمَّ أَغْلَقْتُ البَابَ. وَلَمْ أَقُلْ: «إِلَى اللِّقَاءِ.» لِأَنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصًا نُوَدِّعُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَقْضِي بَقِيَّةَ أَعْمَارِنَا فِي تَوْدِيعِهِمْ دَاخِلَنَا. وَهَذَا كَانَ وَدَاعِيَ الأَخِيرَ لَهُ… لَمْ أَفْقِدْهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ البَابِ. فَقَدْ فَقَدْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ… يَوْمَ صَارَتْ يَدُهُ فِي يَدِي، وَلَمْ أَعُدْ أَشْعُرُ أَنَّهَا مَكَانِي.