المقالات والسياسه والادب
انهيار القيم من المسؤول عن ضياع البوصلة

بقلم: محمود جاب الله
انهيار القيم من المسؤول عن ضياع البوصلة
حين نسمع عن طالب يعتدي على معلمه، أو ابن يرفع صوته على أبيه، أو موظف يرتشي وهو مبتسم، وحين نرى الشارع وقد امتلأ بالصوت العالي والكلمة البذيئة، نسأل السؤال الذي يؤرق الجميع: من المسؤول عن انهيار القيم؟
الإجابة السهلة أن نعلق كل شيء على شماعة واحدة. نقول الأسرة فشلت، أو المدرسة لم تعد تربي، أو الإعلام يفسد الذوق العام، أو السوشيال ميديا هي الخراب. والحقيقة أن أحداً من هؤلاء غير بريء، وأن المسؤولية توزعت علينا جميعاً فتهرب كل طرف منها.
الأسرة هي حجر الأساس. هي أول من يغرس الصدق والأمانة والاحترام. لكن الأسرة اليوم مشغولة بلقمة العيش. الأب يعمل وظيفتين، والأم غارقة بين الشغل والبيت، والأبناء يتربون على شاشة الموبايل. صرنا نشتري راحة بالنا بإعطاء الطفل التابلت ليسكت، ونشتري حب أبنائنا بالفلوس لا بالوقت. فمتى سنعلمهم الفرق بين الحلال والحرام؟
المدرسة التي كانت مصنع الرجال صارت مجرد مكان لتحصيل الدرجات. المعلم الذي كان قدوة صار موظفاً يلهث وراء الدروس. غابت حصة القيم، وغاب طابور الصباح، وغاب العقاب والثواب التربوي. صرنا نعلم الطالب كيف ينجح في الامتحان ونسينا أن نعلمه كيف ينجح في الحياة.
الإعلام عليه عبء كبير. فبدل أن يقدم النموذج المحترم صار يلمع التافه. وبدل أن يناقش قضايا الناس صار يبحث عن الترند والصراخ. تحولت بعض البرامج إلى ساحات خناق، وبعض المسلسلات إلى ترويج للبلطجة والمال السهل. المشاهد الصغير يصدق أن هذه هي الحياة الطبيعية.
ولا يمكن أن نغفل دور الدولة والقانون. القيم لا تعيش في الهواء. القيم تحتاج إلى قانون يطبق على الجميع بلا استثناء. حين يرى المواطن أن الواسطة أقوى من الحق، وأن الفاسد ينجو، وأن الكذاب يصعد، يفقد إيمانه بأي قيمة.
والأخطر هو نحن. نحن الذين نصفق للغشاش الشاطر، ونسكت عن الخطأ حتى لا “نعمل مشاكل”، ونشارك الفيديو المسيء ونقول “للتسلية”. صرنا نستهين بالصغيرة حتى كبرت.
إذن المسؤولية جماعية. لا يمكن أن نطلب من المدرسة أن تربي وحدها، ولا من الأسرة أن تواجه سيل الإعلام وحدها. نحتاج إلى ميثاق جديد بين البيت والمدرسة والإعلام والدولة والمسجد والكنيسة. نحتاج أن نعيد للكلمة وزنها، وللكبير هيبته، وللعلم قيمته، وللعمل شرفه.
القيم لا تنهار في يوم. هي تتآكل مثل الماء في الصخر. وإنقاذها يحتاج صبراً وعملاً يومياً. يبدأ بأن أكون أنا قدوة في بيتي، وأن تطالب أنت بمحتوى محترم، وأن يحاسب القانون المخطئ، وأن تعود المدرسة إلى دورها.



