المقالات والسياسه والادب
بين الواقعي والرمزي قراءة نقدية في أعمال الفنان التشكيلي رأفت عبد السلام

( أعترف أنها كانت مخاطرة مني أن أُفكر في الكتابة عن أعمال فنان له تميزه في ساحةِ إبداعِ مُترامية الأطراف والشك لازمنى وحتى الأن في تحقيق قدرٍ من التوفيق في مخاطرة الإقتراب ثم الكتابة ….
فقد جاء في سيرته الذاتية محاورٍ عديدة تستوجب التوقف أمامها طويلاً :
” د.م/ رأفت عبد السلام ..أستاذ الرسم الهندسى المنتدب بجامعة القاهرة والمحاضر بالجامعات المصرية والمعاهد العليا
فنان ..ممثل .. لاعب كرة سابق ..مؤلف كتب هندسيه “
وجاء أيضا :
” واقوم حاليا بتدريس الرسم الفنى فى أكثر من مكان بالجيزه
اقوم بتدريس مادة الرسم الهندسى لطلاب كليات الهندسه والمعاهد العليا التكنولوجيه
: بدأت بالرسم فى المدرسه الواقعيه : ف المدرسه التعبيرية..ثم الرمزية..وبعدها التكعيبيه نتيجه لتدريس الرسم الهندسى…واخيرا المدرسه ما فوق الواقعه (السريالية)
: وفي المجال الهندسى والصناعي
قمت بتصنيع وتوريد جميع اللوحات المعدنيه ( نمر المرور) لجمهورية مصر العربية. وذلك لوزارة الداخلية.
قمت بتصنيع صوائد الألغام لحمايه السد العالي
قمت بتصنيع اللنشات والمعديات الناريه لوزارة الرى
قمت بتصنيع وتوريد التجهيزات المدرسيه لوزاره التربيه والتعليم المصريه
وأيضا :
” اول معرض الفنيه عام 1972..وحاصل لى المركز الثالث على مستوى الجمهورية لقصور الثقافة عام 1973..بجاىزه ماليه وقدرها خمسة جنيهات من السيد وزير الثقافة/ يوسف السباعي الأسبق.
عضو اللجنه الفنيه بالنقابة العامه المهندسين.
عضو اللجنه الفنيه لنقابه الجيزه.
عضو مجلس إدارة نادي الترسانه سابقا
وأيضا :
” شاركت في أكثر من 300معرص جماعى
واكثر من 200معرض افتراضي..على مدى سبعة سنوات الماضيه
شرفت بافتتاح والتعليق بالنقد الفنى على الكثير من المعارض الفنيه “
شرفت بالمشاركة فى العديد من البرامج بالقنوات التلفزيونيه المصريه
إن مشواره الإبداعي تميز بالحرفية الإبداعية كفنان تشكيلي وأيضا في مجال الإبداع المهني بحكم تخصصه ، هذا بعض ما جعل المخاطرة غير محسوبة وغير مضمونة ) .
سيد جمعه
********
تُقدِّم تجربة الفنان التشكيلي رأفت عبد السلام مساحة بصرية تتجاور فيها مدارس وأساليب متعددة، لكنها تتوحد جميعًا داخل حس فني يميل إلى التأمل الإنساني وإلى بناء مشهد بصري يزاوج بين الدقة الأكاديمية والخيال الرمزي. فالمتلقي لأعماله يلحظ منذ الوهلة الأولى أن الفنان لا يقف عند حدود نوع واحد من التعبير التشكيلي، بل يتنقل بين الرسم الواقعي، والبورتريه، والطبيعة الصامتة، والرمزية السريالية، وكأنه يختبر قدرة الصورة على حمل أكثر من خطاب بصري في آنٍ واحد
هذه القدرة على التنقل بين الأساليب لا تبدو ارتباكًا أسلوبيًا، بل تكشف عن بحث تشكيلي واعٍ يسعى إلى اكتشاف إمكانات الرسم ذاته، وإلى اختبار العلاقة بين الموضوع واللغة التشكيلية التي تعبّر عنه
أولاً: الحس الرمزي والسريالي في بناء الفكرة
من أبرز الأعمال في الملف تلك اللوحة التي يظهر فيها جسد إنساني ممدود في الفضاء، يمتد بيده كأنه يصطاد جزيرة صغيرة تضم بيوتًا حمراء وسط بحر من الغيوم
هذا المشهد لا ينتمي إلى الواقع المباشر، بل يقوم على بنية رمزية واضحة
فالإنسان هنا لا يبدو مجرد شخصية في اللوحة، بل يتحول إلى كائن حلمي يطارد حلمًا بعيدًا، أو يحاول إنقاذ قطعة من الأرض من الضياع
أما الجزيرة الصغيرة، ببيوتها المتراصة، فتبدو كأنها رمز للوطن أو الذاكرة أو الطمأنينة الإنسانية
ويعزز الفنان هذا المعنى من خلال عدة عناصر تشكيلية :
الفضاء المفتوح المليء بالضباب
الأفق البعيد حيث تغرب الشمس
صغر حجم الجزيرة مقارنة باتساع الفراغ
هذه العناصر مجتمعة تصنع إحساسًا دراميًا بالمسافة بين الإنسان وحلمه
كما أن معالجة الجسد بخطوط زخرفية تشبه النقوش تضيف بعدًا آخر للعمل، إذ يبدو الجسد وكأنه كائن أسطوري أو روح حارسة، وليس مجرد إنسان عادي
ثانيًا: الطبيعة الصامتة والعودة إلى الجذور الأكاديمية
في لوحة أخرى نرى إناءً فخاريًا تحيط به ثمار الرمان في تكوين هادئ ينتمي إلى تقاليد الطبيعة الصامتة
هنا يتخلى الفنان مؤقتًا عن الخيال الرمزي، ليعود إلى الدرس الأكاديمي الصارم في الضوء والظل والبناء الحجمي
تقوم هذه اللوحة على ثلاث ركائز بصرية أساسية ::الكتلة
حيث يبدو الإناء الفخاري بثقله الحجمي واضحًا من خلال التدرجات اللونية
اللون الدافئ
إذ يعتمد الفنان على تدرجات البني والأحمر والأصفر ليخلق انسجامًا لونيًا هادئًا
الملمس
فالفخار يبدو خشنًا، بينما تبدو قشرة الرمان ناعمة لامعة، وهو تباين يمنح اللوحة حيوية حسية
إن هذا العمل يكشف عن تمكن تقني واضح لدى الفنان في بناء الشكل الواقعي، وهو ما يفسر قدرته لاحقًا على الانطلاق نحو الخيال السريالي دون أن يفقد السيطرة على أدواته
ثالثًا: البورتريه والاحتفاء بالجمال الإنساني
في لوحة البورتريه التي تصور امرأة تمسك قلمًا وتكتب، بينما تلامس زهرة ورد كتابًا مفتوحًا، نجد أنفسنا أمام عمل يحتفي بالإنسان لا بوصفه موضوعًا تشكيليًا فقط، بل بوصفه كائنًا معرفيًا وشاعريًا
المرأة هنا ليست مجرد نموذج جمالي، بل رمز لـ الكتابة أو الإبداع أو الحلم
يبرز الفنان ملامح الوجه بنعومة واضحة :
الشعر المتدفق بتدرجات ذهبية
العيون المغمضة في حالة تأمل
الشفاه الهادئة
كل ذلك يخلق حالة من السكون الشعري
كما أن وجود الكتاب والزهرة في اللوحة يفتح باب التأويل؛ فالزهرة قد ترمز إلى الفكرة أو الإلهام، بينما يرمز القلم إلى تحويل هذا الإلهام إلى فعل إبداعي.
رابعًا: الرمزية الداكنة والخيال الأسطوري
من أكثر الأعمال إثارة في الملف تلك اللوحة التي تجمع بين يد تمسك كأسًا يخرج منه كائن أسطوري، بينما تتقاطع عناصر مثل التنين والجمل والدم
هذا العمل ينتمي بوضوح إلى الرمزية التعبيرية ذات الطابع السريالي
فالعناصر في اللوحة ليست واقعية بقدر ما هي علامات رمزية :
الكأس قد يرمز إلى الإغواء أو السلطة
التنين إلى القوة أو الشر
الدم إلى العنف أو التضحية
ويبدو أن الفنان هنا يبني مشهدًا بصريًا يقوم على الصراع بين القوى الإنسانية والغرائز الكامنة
إن هذه اللوحة تكشف عن جانب آخر من تجربة الفنان، جانب يميل إلى التعبير الدرامي والخيال الأسطوري
خامسًا: الدراسة الأكاديمية في الرسم بالقلم الرصاص
تظهر في الملف أيضًا لوحة مرسومة بالقلم الرصاص تمثل مجموعة من الأدوات الهندسية مع إبريق معدني وهاون ومدقة
وهذا النوع من الأعمال يمثل عادة المرحلة الأكاديمية الأساسية في دراسة الرسم
لكن ما يلفت الانتباه هنا هو دقة الفنان في :
بناء المنظور
توزيع الظلال
إبراز الخامات المختلفة
فالسطح المعدني للإبريق يختلف بصريًا عن خشونة الهاون، كما تختلف كتلة المخروط الهندسي عن باقي العناصر
وهذا يدل على أن الفنان يمتلك أساسًا تقنيًا قويًا في الرسم، وهو ما يفسر تنوع تجربته لاحقًا
ملامح التجربة الفنية
من خلال هذه الأعمال يمكن استخلاص عدة سمات رئيسية في تجربة دم. رأفت عبد السلام
1 – التنوع الأسلوبي
إذ ينتقل الفنان بين الواقعية والسريالية دون أن يفقد هويته البصرية
2 – العناية بالبناء الأكاديمي
وهي سمة تظهر في دراسة الضوء والظل والمنظور
3 – النزعة الرمزية
حيث تتحول العناصر في بعض اللوحات إلى رموز ذات دلالات إنسانية أو فلسفية.
4 – الحس السردي في اللوحة
فبعض الأعمال تبدو كأنها حكاية بصرية أكثر منها مجرد تكوين تشكيلي
خـــــــا تـــمـــة
تكشف أعمال الفنان رأفت عبد السلام عن تجربة تشكيلية تجمع بين المهارة الأكاديمية والخيال الرمزي
فهو فنان لا يكتفي بمحاكاة الواقع، بل يسعى إلى تأويله وإعادة بنائه داخل فضاء بصري يتسع للحلم والأسطورة والذاكرة الإنسانية.
ومن هنا تبدو لوحاته وكأنها تتحرك بين عالمين
عالم الواقع الملموس الذي يظهر في الطبيعة الصامتة والبورتريه، وعالم الخيال الرمزي الذي يتجلى في الأعمال السريالية
وهذا التوتر بين العالمين يمنح تجربته ثراءً بصريًا وفكريًا يجعلها جديرة بالتأمل النقدي .








