المقالات والسياسه والادب

بين شكسبير وشوقي وأنا بقلم سليمة مالكي نـــــور القــــــمر

بين شكسبير وشوقي وأنا

كليوباترا…

الملكة التي لا تزال تُلْهِمُ خيال الكُتَاب والشعراء حتى بعد أكثر من ألفي عام شخصية تاريخية أسَرَت القلوب وأثارت الجدل بين من يراها رمزًا للجمال والأنوثة ومن يصفها بالدهاء والمكر وبين من يعتبرها قائدة وطنية دفعت حياتها ثمنًا لعزتها ولحماية شرف مملكتها…..
في الأدب الغربي رسم شكسبير في مسرحيته (أنطونيو وكليوباترا) صورة لملكة فاتنة ذكية متقلبة المزاج لكنه حمّلها سبب سقوط أنطونيو وضياع مجده ركَّز في مسرحيته الشهيرة (أنطونيو وكليوباترا)على الجانب العاطفي وجو المكائد والخيانة حتى لقبها في النصوص الأوروبية (بأفعى النيل) في إشارة إلى جمالها المميت وخطورتها بعيدا عن أي إشادة بوطنيتها أو شجاعتها أو حتى
ذكائها وحنكتها السياسية.
هذا التناول أغضب أمير الشعراء أحمد شوقي الذي وجد أن الملكة المصرية تستحق دفاعا يليق بتاريخها فكتب عام 1929 مسرحيته الشعرية (مصرع كليوباترا) ليعيد رسمها كرمز وطني يقاتل من أجل كرامة مصر مزج شوقي في المسرحية بين الحقائق التاريخية والخيال الشعري فقدم ملكة شجاعة قوية الإرادة لا مجرد امرأة مغرية….

ملخص المسرحية
تدور أحداث المسرحية في الإسكندرية بعد هزيمة أنطونيوس أمام أوكتافيوس قيصر في معركة أكتيوم تحاول كليوباترا الحفاظ على العرش وسط حصار سياسي وعسكري خانق بينما يشك أنطونيوس في ولاء قادته وفي إخلاصها ومع اشتداد الأحداث تصل لأنطونيوس أخبار كاذبة عن موتها فيختار الانتحار تصل كليوباترا إليه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ويحدث مشهد وداع مؤثر بعد رحيله ترفض أن تساق أسيرة إلى روما باستعراض مهين فتختار الموت بلدغة أفعى مفضلة النهاية ملكة على الحياة بذل وهوان …
سمات العمل——
كتب شوقي نصه بلغة عربية فصيحة رنانة مليئة بالصور البلاغية وهذا ليس غريبا على أمير الشعراء وأبرز لنا الصراع النفسي والسياسي الذي عاشته البطلة ليجعل من مصرعها مشهدا خالدا في الذاكرة يعكس التضحية والكبرياء
وهنا بيت القصيد كله….!
المفارقة ——
درسنا هذه المسرحية في المرحلة الثانوية ومن حماس أستاذ اللغة قرر أن تكون المسرحية مشروعا نقدِمُه في حفل نهاية السنة الملفت لنظري آنذاك أن فعل الانتحار الذي أقدمت عليه كليوباترا كان بطولة وهذا أمر لم يتقبله عقلي حاولت مناقشة الأستاذ بأنها جبانة وأنانية لم تفكر سوى في الطريقة التي تموت بها كملكة بكامل زينتها في مشهد استعراضي مبالغ فيه في حين كان القيصر يحْكِمُ سطوته على الإسكندرية ومصير شعبها مجهول ونعرف جميعا ما يحدث للشعوب المهزومة والمملكات الساقطة من ذل وهوان ونهب لخيرات البلد وفرض للجبايات والضرائب والقتل والاستعباد والظلم والتخريب فأين البطولة في الانتحار
وكما شوقي تماما كان أستاذي يرفض تماما هذا الطرح وهذا ما جعلني أفكر في تأثير الموروثات الخاطئة علينا …
وصلنا عبر التاريخ كم هائل من المعتقدات والآراء التي أصبحت من المُسَلَّمَات غير القابلة للنقاش تعود بنا للأسف إلى جدلية مدى صدق التاريخ الذي بين أيدينا تاريخ كتبه المؤرخون على هوى الحكام وجمَّلَه الشعراء على هوى إلهامهم وزوَّرَهُ السَّاسة على حسب ميولاتهم ونفخ فيه كل من له مصلحة أو توَجُه على حسب الأحداث وموازين القوى وهذا نفسه ما جعل الجبان فارسا والمخمور شاعرا والمنتحر بطلا . فالتاريخ رواية المنتصر
يكتبها كيفما يشاء . 

مقالات ذات صلة