تعليق القرار لا يعني إلغاؤه بيان متابعة من المفوضية المصرية بشأن زيادة ساعات العمل بالمنطقة الحرة ببورسعيد

بقلم.د. نجلاء كثير
تعليق القرار لا يعني إلغاؤه بيان متابعة من المفوضية المصرية بشأن زيادة ساعات العمل بالمنطقة الحرة ببورسعيد
تابعت المفوضية المصرية ببالغ القلق رد الفعل الوزاري على البيان الصادر أمس بشأن قرار زيادة ساعات العمل بالمنطقة الحرة ببورسعيد، حيث أعلنت الوزارة وقف العمل بالقرار مؤقتًا لحين “مراجعة عقود العمال”، دون إلغاء القرار محل الاعتراض أو سحبه بصورة صريحة، وهو ما ترى المفوضية أنه لا يُمثل تراجعًا حقيقيًا عن القرار، بقدر ما يفتح الباب عمليًا أمام مزيد من الضغوط والانتهاكات بحق العمال تحت غطاء المراجعة.
وتؤكد المفوضية أن وقف التنفيذ المؤقت دون إلغاء القرار يُبقي العاملين في حالة تهديد وعدم استقرار، ويخلق مناخًا يسمح بالضغط عليهم للقبول بتعديلات تعاقدية مجحفة أو التوقيع تحت الإكراه الاقتصادي، بما يُفرغ مبدأ الرضا الحر من مضمونه، ويحوّل مراجعة العقود إلى أداة للالتفاف على الحقوق المكتسبة، في مخالفة صريحة لقواعد قانون العمل التي تحظر الانتقاص من الحقوق أو فرض أعباء إضافية على العامل خارج إطار التفاوض الجماعي والضمانات القانونية.
وتشدد المفوضية على أن مراجعة عقود العمال لا يمكن أن تكون مدخلًا لإضفاء المشروعية على قرار غير مشروع، ولا وسيلة لمعالجة أزمة جوهرها قرار عام يمس شروط العمل الأساسية، ويزيد عبء العمل دون مقابل عادل، ويفرض بيانًا إداريًا أحاديًا خارج أي حوار اجتماعي حقيقي.
وتشير المفوضية إلى أن هذا القرار، وما أعقبه من تعليق مؤقت دون إلغاء، أثار حالة واسعة من الغضب والاستياء بين العمال بالمنطقة الحرة ببورسعيد، حيث دعا عدد منهم إلى الإضراب يوم السبت المقبل ردًا على ما اعتبروه مساسًا مباشرًا بحقوقهم وشروط عملهم، وهو ما يعكس حجم الاحتقان الذي ولّده القرار، وخطورة الاستمرار في إدارة الأزمة عبر المراجعات الشكلية بدلًا من المعالجة الجذرية القائمة على إلغاء القرار واحترام الحوار الاجتماعي.
وإذ تعيد المفوضية التذكير بخلفية القرار محل الاعتراض، فإنها تؤكد أن قرار زيادة ساعة عمل يومية مقابل 500 جنيه شهريًا يمثل انتهاكًا جسيمًا للحق في شروط عمل عادلة ومنصفة، وانتقاصًا فعليًا من الأجر، ومساسًا بحقوق مكتسبة استقرت للعاملين، بالمخالفة لأحكام قانون العمل المصري والمعايير الدولية الملزمة في مجال حقوق العمل.
وبالمخالفة الصريحة لأحكام قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025، التي قررت بوضوح بطلان أي إجراء أو قرار ينتقص من حقوق العامل أو يقلل من المزايا الأكثر فائدة التي استقرت له، وحظرت تنظيم ساعات العمل على نحو يخل بحقوق العامل أو يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الانتقاص من الأجر، كما اعتبرت تحديد ثماني ساعات عمل يوميًا حدًا أقصى لساعات العمل لا يجوز تحويله إلى عبء إضافي مفروض على العمال دون مقابل عادل ومتناسب.
وترى المفوضية أن القرار محل الاعتراض لا يُعد تنظيمًا لساعات العمل في الإطار الذي قصده المشرّع، وإنما يشكل تعديلًا جوهريًا أحاديًا لشروط العمل، جرى اتخاذه دون حوار اجتماعي ودون إشراك أصحاب الشأن من العمال أو ممثليهم، وبما يخل بالتوازن التعاقدي، وينتهك القواعد المستقرة التي تحظر تعديل شروط العمل الجوهرية على نحو يُحمّل العامل أعباء إضافية دون موافقته الحرة أو دون مقابل عادل.
ويترتب على زيادة ساعة العمل اليومية تحميل العاملين أربعًا وعشرين ساعة عمل إضافية شهريًا، وهو ما يجعل قيمة الزيادة المقررة لا تتجاوز نحو عشرين جنيهًا للساعة الواحدة، وهو مقابل لا يرقى بأي معيار قانوني أو اقتصادي إلى وصفه بالأجر العادل أو المتناسب، ويؤدي عمليًا إلى خفض قيمة الأجر بالساعة مقارنة بالنظام السابق، بما يُفرغ الزيادة المعلنة من مضمونها الحقيقي ويحوّلها إلى مقابل شكلي يخفي عبئًا إضافيًا مفروضًا على العمال.
وتؤكد المفوضية أن نظام العمل السابق القائم على سبع ساعات عمل يوميًا يُعد ميزة مستقرة وأكثر فائدة للعاملين، سواء ثبت ذلك بعقود العمل أو اللوائح الداخلية أو بالممارسة الفعلية المنتظمة، وهو ما يسبغ عليه وصف الحق المكتسب الذي لا يجوز المساس به أو التراجع عنه بقرار إداري أو وزاري، لا سيما إذا ترتب على ذلك انتقاص من الأجر أو تحميل العامل أعباء إضافية دون مقابل عادل.
كما ترى المفوضية أن اعتماد زيادة مالية موحّدة لكافة العاملين، دون أي اعتبار لاختلاف الأجور أو طبيعة الوظائف أو درجات المسؤولية أو سنوات الخبرة، يُعد إهدارًا لمبدأ التدرج في الأجور، ويكرس مساواة شكلية جائرة تتجاهل العدالة الأجرية، وتتناقض مع الأسس القانونية السليمة التي تقوم عليها علاقات العمل.
وتحمل المفوضية القرار قدرًا إضافيًا من الخطورة لصدوره في ظل غياب كامل للحوار الاجتماعي، إذ جرى اتخاذه عبر اجتماعات جمعت المستثمرين ووزارة العمل دون إشراك العمال أو ممثليهم، في استمرار لنهج دأبت عليه الوزارات المتعاقبة بتغييب الصوت العمالي عن القرارات التي تمس شروط العمل الجوهرية، رغم أن العمال هم أصحاب الشأن الأصيل.
وتلفت المفوضية إلى أن هذا القرار يمس شريحة واسعة من العاملين تُقدّر بنحو سبعة وثلاثين ألف عامل تقريبًا داخل المنطقة الحرة ببورسعيد، ما يجعل آثاره ممتدة وخطيرة اجتماعيًا واقتصاديًا، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها شأنًا إداريًا محدود الأثر.
كما تؤكد المفوضية أن خضوع المنطقة الحرة للإشراف الاستثماري للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة لا ينال من خضوع علاقات العمل داخلها لأحكام قانون العمل المصري واختصاص وزارة العمل، باعتبار أن نظام المناطق الحرة يُنشئ استثناءً استثماريًا وجمركيًا فقط، ولا يخلق أي استثناء من قواعد حماية العمال أو يجيز تعديل شروط العمل أو الانتقاص من الحقوق المكتسبة تحت أي مسمى استثماري.
وتشير المفوضية إلى أن هذا القرار يأتي في سياق بالغ الخطورة داخل المنطقة الحرة ببورسعيد، التي تغص بانتهاكات متكررة لحقوق العمال، كان آخرها فصل تسع سيدات من مصنع أكاي فقط لكونهن أمهات، إحداهن حامل، وإجبارهن على السهر والعمل الليلي في مخالفة للقانون، فضلًا عن وقائع متكررة لعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور وتدرجه وساعات العمل وحقوق النساء العاملات، وهي الانتهاكات التي طالبت المفوضية مرارًا بتكثيف التفتيش العمالي بشأنها دون استجابة فعالة.
وإذ تسجل المفوضية أن وزارة العمل، التي لم تفعل أدواتها القانونية لإجبار أصحاب الأعمال على الالتزام بحقوق العمال الأساسية، بما فيها الحد الأدنى للأجور وتدرجه، واكتفت رغم المطالبات المتكررة بإجراءات شكلية واجتماعات مع المستثمرين، تتدخل اليوم بوقف مؤقت يفتح الباب للضغط بدلًا من الإلغاء الواضح، فإنها تعتبر ذلك استمرارًا لنهج يحمّل العمال كلفة الإنتاج بدلًا من حمايتهم.
وتحذر المفوضية من تمرير هذه القرارات تحت ستار تحسين مناخ الاستثمار، مؤكدة أن تحميل العمال كلفة الإنتاج لا يخدم الاقتصاد الوطني ولا استدامته ولا يخلق كفاءات إنتاجية حقيقية، بل يقوض الإنتاجية ويعمق الهشاشة الاجتماعية، وأن أي مساس بالأجور أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال يُعد مساسًا بالتزامات قانونية ودستورية ودولية لا يجوز الالتفاف عليها.
وبناءً عليه، تعلن المفوضية المصرية ما يلي: 1- رفض أي محاولة لإعادة تمرير قرار زيادة ساعات العمل، سواء بشكل مباشر أو عبر تعديل العقود الفردية.
2- اعتبار وقف التنفيذ المؤقت دون إلغاء القرار إجراءً غير كافٍ ويفتح الباب لمزيد من الانتهاكات.
3- المطالبة بإلغاء القرار محل الاعتراض إلغاءً كاملًا وواضحًا.
4- المطالبة بحوار اجتماعي ملزم وتكريس مبدأ المفاوضة الجماعية، ومنع اتخاذ أي قرارات أحادية تمس شروط العمل خارج
هذا الإطار.
5- إعلان المفوضية المصرية فتح باب تلقي الشكاوى العمالية من العاملين المتضررين من أي ضغوط أو انتهاكات مرتبطة بهذا القرار أو بما يسمى مراجعة العقود، سواء بشكل فردي أو جماعي.
6- تأكيدها الاستمرار في اتخاذ كافة المسارات القانونية والحقوقية الممكنة، محليًا ودوليًا، دعمًا لحقوق العمال وعدم استبعاد أي إجراء مشروع في هذا الصدد.



