أعرف… لا شيء كان يزعجني، قلبي كان فارغًا، بلا وزن، بلا شعور يثقل عليه، كما لو أنني أمشي في صحراء لا نهاية لها… حتى ظهرتَ.
جئت فجأة، لا إعلان، لا إنذار، وكأنك ملأت روحي بالماء بعد طول جفاف. نسمة دافئة مرت على وجهي، ورائحة المطر القديمة التي أحببتها عادَت لترافقني. وكأن الضوء اخترق عتمة أيامي، فتساقطت القطع المكسورة من قلبي شيئًا فشيئًا، وغسلت يدك كل فراغ بدا لي بلا حياة، وأعدت رسم خطوط الأمل على أوراقي الباهتة.
بدأت أتنفس ببطء، أشعر بالهدوء يزحف بين عروقي، أتحرك في فضائك كمن يمشي بين قطرات مطر على الأرض، أستمتع بثقل وجودك، ودفء قربك. كل شيء بدا أهدأ، أصفى، ورغم ذلك، كنت أعلم أن كل لحظة هدوء ثمينة… ربما أقصر مما أتوقع.
ثم فجأة… انقطع كل شيء. اختفى حضورك، وكأنك لم تكن هنا من قبل. عاد الصمت ليغطي كل زاوية من حياتي، وصارت الأرض قاحلة مرة أخرى، وصار قلبي يعتصره الألم، وانطفأ الضوء الذي كان يملأ أيامي.
كل لحظة كانت سلامًا، صارت صدىً بعيدًا، كل همسة، كل ابتسامة، تلاشت بين أصابعي. أيامي صارت نهراً جافًا، يسير بلا صوت، يحاول تذكر حرارة غيثك، يحاول استعادة شعاع نورك، لكن كل شيء بدا بعيدًا، وكأن العالم يدور دوني.
أرى وجوه الناس، أسمع أصواتهم، لكنني لا أستطيع أن أرى قلبك بينهم. أتلمس الأشياء حولي، أحاول الإمساك بالهواء، أبحث عن أثر لك، أي أثر، فكل شيء صار فارغًا بدونك.
وأعود الآن إلى بداياتي، إلى ذلك القلب الخاوِ قبل أن تأتي، لكن شيء في داخلي تغير… ربما لأنني عرفت ما يعنيه أن يحضر شخص، أن يروي عطش الروح… أن تشرق الشمس فجأة في ليلة طويلة.
أعرف أن لا شيء يبقى على حاله، وأن النور قد ينقطع فجأة، وأن الغيث الذي يروي قد يتحول إلى صمت، لكن قلبي ما زال يحن لتلك اللحظة، لتلك اللحظة التي كنت فيها كل شيء بالنسبة لي… لك وحدك.