تناقضات غريبةٌ هي الحياة في زمنٍ اختلت فيه الموازين زمنٌ يُلام فيه الوفيُّ على وفائه والصادقُ على صدقه والطيبُ على طيبته وكأن الخلل فيمن منحَ قلبه بصدق، لا فيمن قابل الصدقَ بالخيانة نحن في زمنٍ صارت فيه الخيانةُ أمرًا مألوفًا وأصبح الوفاءُ استثناءً يُستغرب وصارت الطيبةُ سذاجة والنقاءُ ضعفًا والصراحةُ خطأً والإخلاصُ عبئًا على من لا يعرف قيمته يُلام الصادقُ لأنه لم يُتقن فن التلون ويُعاتَب النقي لأنه لم يتعلّم كيف يُخفي قبحه خلف ابتسامة ويُحاسَب الوفيُّ على قلبه الذي لم يتغير بينما يمر المسيء بخطئه وكأن شيئًا لم يكن غريبةٌ هي الحياة… يندمُ المعطي على عطائه والمخلصُ على إخلاصه والوفيُّ على وفائه والطيبُ على طيبته لكنّ المسيءَ نادرًا ما يندم على إساءته والخائنَ قلّما يؤلمه ما اقترفت يداه حتى أصبح المرءُ يخشى أن يمنح كما يحب وأن يخلص كما اعتاد وأن يكون نقيًّا في زمنٍ كثر فيه المتلونون ومع ذلك… سأبقى وفيًا، لا لأن الجميع يستحقون الوفاء ولا لأن العالم ما زال يقدّر القلوب النقية بل لأنني لا أريد أن تغيّرني إساءةُ الآخرين ولا أن تجعلني خياناتهم نسخةً منهم سأبقى كما أنا فبعضُ القيم لا تُحفظ لأن الناس يستحقونها بل لأننا نحن نستحق أن نبقى أوفياء لما فينا من خير.