المقالات والسياسه والادب

(ثرثرة فوق المعاش) كيلو الطماطم يريد مقابلة صاحب المعاش! 

 

(ثرثرة فوق المعاش) كيلو الطماطم يريد مقابلة صاحب المعاش! 

د. جمال ابو المعاطي صالح استشاري امراض الباطنة والقلب والسكر

كان يا ما كان… في سالف العصر والأوان!

كانت أنبوبة البوتاجاز بـ ٢ جنيه و٧٥ قرشًا…

أيوه والله، جنيهين وسبعين قرشًا!

وكان هذا المبلغ وقتها له هيبة وقيمة.

أما اليوم، فقد أصبحت الأنبوبة بـ ٣١٠جنيهًا!

يعني الأنبوبة قررت تكبر وتدخل عالم رجال الأعمال، وإحنا لسه بنحسبها على المعاش! 

زمان…

كان الواحد ينزل السوق ومعاه مبلغ متواضع، فيرجع شايل الخضار والفاكهة وبعض احتياجات البيت، وربما تبقى معه نقود يقول عنها:

«الحمد لله… ربنا يبارك.»

أما الآن…

تنزل السوق ومعك ما يكفي، ثم تعود إلى البيت بكيس صغير، وتجلس أمام الفاتورة في صمت، تحاول أن تفهم:

«هو أنا اشتريت إيه بالضبط؟!» 

وأما الطماطم…

فدي حكاية لوحدها!

اشتريت كيلو طماطم بـ٤٠ جنيهًا!

أربعووووون جنيهًا يا طماطم!

بصيت لها…

بصيت للبائع…

بصيت للمحفظة…

ثم رجعت بصيت للطماطم!

قلت في نفسي:

هو أنا جاي أشتري طماطم… ولا أساهم في مشروع زراعي؟! 

الطماطم زمان كانت حاجة بسيطة على السفرة…

دلوقتي أصبحت تشعر أنها شخصية مهمة، ولها سعر خاص، ومكانة اجتماعية، وربما تحتاج إلى حجز مسبق! 

والمصيبة أن الأسعار لا تمشي…

الأسعار بتجري!

لا…

دي بتجري جري الوحوش!

كلما زاد دخل الإنسان قليلًا، وجد الأسعار قد سبقته، واستولت على الزيادة، وجلست تنتظره عند أول الطريق!

أما المعاش…

فيا عيني عليه!

المعاش رجل محترم، هادئ، لا يحب المشاكل.

محلك سر.

بل إنني أحيانًا أشعر أنه لا يقف في مكانه فقط…

ده بيرجع للخلف! 

الأسعار عندها موتور وتيربو…

والمعاش ماشي على مهله، كأنه رايح يتمشى على الكورنيش!

زمان كنا نشتري بالكيلو…

ثم أصبحنا نشتري بالنصف…

ثم بالربع…

وأخشى أن يأتي يوم نقول فيه للبائع:

«حط لي طماطماية ونص… بس اختارهم صغار!» 

والفاكهة؟

تدخل محل الفاكهة فتشعر أنك دخلت معرض مجوهرات.

تسأل عن السعر…

ثم تقول:

«لا شكرًا… أنا كنت بسأل من باب المعرفة!» 

واللحمة؟

لم تعد مجرد طعام…

أصبحت مناسبة اجتماعية!

نشتريها في المناسبات، ونفرح بها، ونظل نتحدث عنها بعد الغداء عدة أيام! 

لكن بعيدًا عن الضحك…

الحكاية موجعة.

لأن وراء كل رقم على بطاقة السعر، أبًا يحسب، وأمًا تدبر، وأسرة تحاول أن تجعل الدخل يكفي حتى آخر الشهر.

وشابًا يريد أن يتزوج…

وآخر يريد أن يبدأ حياته…

وصاحب معاش يحاول أن يعيش بما كُتب له، بينما الاحتياجات لا تعرف معنى كلمة «معاش».

وهنا تبدأ ثرثرتي فوق المعاش…

أنا لا أطلب المستحيل.

ولا أريد أن تعود الدنيا إلى الوراء.

كل ما أريده أن تكون هناك مسافة معقولة بين الدخل والأسعار…

لأن الإنسان عندما يعمل طوال عمره، ويصل إلى المعاش، من حقه أن يجد شيئًا من الأمان، لا أن يبدأ معركة جديدة كل أول شهر:

مين هيكسب؟ المعاش ولا الأسعار؟ 

ومع كل ذلك…

نقول:

الحمد لله.

لسه الهوا ببلاش…

ولسه النفس ببلاش…

ولسه ربنا ساترها.

ولسه عندنا القدرة أن نضحك، حتى في عز الزنقة.

وربما يكون الضحك نفسه نوعًا من المقاومة النفسية!

لكن يا جماعة…

بالراحة علينا شوية!

كهربتونا…

غرقتونا…

والأسعار طلعت علينا من كل اتجاه!

وأنا عندي اقتراح بسيط جدًا:

خلوا المعاش يجري شوية ورا الأسعار.

مش لازم يلحقها…

ولا حتى يسبقها…

بس خلوه يحاول! 

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وربنا يكون في عون الجميع، ويرزق كل بيت رزقًا حلالًا طيبًا، ويبارك في القليل، ويجعل القادم أرحم وأخف على الناس.

وفي النهاية…

لو حد قابل كيلو الطماطم في الطريق…

يقوله:

جمال صاحب المعاش عايز يقابلك!

عندي معاك كلمتين تلاتة! 

ثرثرة فوق المعاش…

ليست شكوى…

وليست ندبًا على الماضي…

إنما هي مجرد محاولة من رجل عاش زمنًا كانت فيه الأنبوبة بجنيهين وسبعة وسبعين قرشًا، لكي يفهم كيف أصبح كيلو الطماطم يحتاج إلى كل هذه المفاوضات!

حلوة ولا ملتوتة؟

دي مش حدوتة…

دي حتة من حياة الناس. 

د. جمال ابو المعاطي صالح استشاري امراض الباطنة والقلب والسكر

مقالات ذات صلة