المقالات والسياسه والادب

ثمن البقاء لماذا تحصن النساء أنفسهن خلف أسوار العلاقات السامة

د.ذكاء رشيد
ثمن البقاء لماذا تحصن النساء أنفسهن خلف أسوار العلاقات السامة
​”الزواج يؤذيها والطلاق يخيفها أكثر!”
جملة واحدة تلخص مأساة تعيشها آلاف النساء بصمت مطبق.
​على امتداد المجتمعات، تواجه نساء كثيرات خيارات قاسية وموجعة عندما تتحول مؤسسة الزواج من واحة أمان إلى بيئة خונقة، بل ومؤذية. وبين مطرقة العنف النفسي أو الجسدي وسندان مجتمع لا يرحم المطلقات، تقف المرأة حائرة أمام سؤال مرعب: “أريد الطلاق، لكن أين أذهب، وماذا عن أطفالي؟”.
​جدار الخوف: جغرافيا القيد ومخاوف المستقبل
​قرار الانفصال ليس مجرد توقيع على ورق، بل هو زلزال يهز أركان حياة المرأة بالكامل. وحين تروي الناجيات من العلاقات السامة قصصهن، تتكشف شبكة معقدة من الحواجز التي تحول دون المغادرة، وأبرزها:
​جحيم “أين أذهب؟” (أزمة السكن): تفقد المرأة في كثير من الأحيان حقها في المسكن بمجرد خروجها، وغياب الملاجئ الآمنة أو الدعم الحكومي الكافي يجعل فكرة التشرد والدخول في متاهة الإيجارات ومواجهة المجتمع بمفردها كابوساً حقيقياً.
​فخ الاعتماد المالي: الاستقلال الاقتصادي هو طوق النجاة المفقود للكثيرات. الفقر أو شح الدخل يجعل فكرة الإنفاق على الأبناء ومواجهة تكاليف الحياة شبه مستحيلة دون معيل، مما يدفع البعض لجر أذيال الصبر على الأذى حفاظاً على لقمة العيش.
​معارك الحضانة والخوف على الأطفال: التهديد الأكبر الذي يكسر شوكة أي أم هو أطفالها. الخوف من حرمانها منهم، أو الزج بهم في أتون محاكم أسرية طويلة ومضنية، أو استخدامهم كأوراق ضغط من قبل الطرف الآخر، يمثل خطاً أحمر تتردد دونه ألف مرة.
​الوصمة الاجتماعية: لا يزال شبح لقب “مطلقة” يطارد النساء في العديد من البيئات، حيث تُحمل المرأة غالباً مسؤولية فشل الزواج، وتواجه أحكاماً قاسية ونظرة دونية تجعل البقاء تحت سقف العنف أهون من مرارة النبذ المجتمعي.
​هل البقاء خيار أم قهر؟
​الاستمرار في علاقة سامة ليس ضعفاً شخصياً، بل هو استراتيجية بقاء تختارها المرأة مضطرة. فحين تصبح الخيارات كلها سيئة، تميل النفس البشرية بطبيعتها إلى تحمل الألم المعتاد خوفاً من ألم أشد مجهولة عواقبه.
​هؤلاء النساء لا يفتقرن إلى الشجاعة، بل يفتقرن إلى شبكة أمان حقيقية — قانونية، ومادية، واجتماعية — تضمن لهن ولأطفالهن حياة كريمة بعد الانفصال.
​نحو طوق نجاة مجتمعي
​إن كسر هذه الحلقة المفرغة لا يحتاج فقط إلى شجاعة فردية من المرأة، بل يتطلب ثورة تشريعية ومجتمعية متكاملة:
​تسهيل الإجراءات القانونية: تسريع قضايا النفقة والحضانة لضمان عدم تجويع الأم وأطفالها أثناء التقاضي.
​دعم التمكين الاقتصادي: توفير فرص عمل وبرامج دعم مادي للنساء المعنفات أو الراغبات في الانفصال.
​توفير المأوى: إنشاء دور رعاية وملاجئ حكومية آمنة تستقبل النساء وأطفالهن في حالات الطوارئ.
​تغيير الوعي: إعادة النظر في النظرة الدونية للمطلقة، وتجريم الخطاب المجتمعي الوصمي.

​في النهاية، طالما ظل الخروج من الزواج المؤذي مكلفاً ومحفوفاً بالرعب، ستظل آلاف النساء رهائن خلف أسوار الخوف، يفضلن العيش في موت بطيء على مواجهة مجهول أبشع

مقالات ذات صلة