المقالات والسياسه والادب

حين يصير الصمود خبزًا يوميًّا ‏بقلم الكاتبه إيمان نجار 

حين يصير الصمود خبزًا يوميًّا

‏بقلم الكاتبه إيمان نجار 

‏في زمنٍ تتكاثر فيه الخيبات، وتضيق فيه المدن بأهلها، لا يزال هناك من يوسّع هذا الوطن بكتفيه. هناك، حيث لا تصل الكاميرات دائمًا، يقف شبّانٌ لا يطلبون تعريفًا لأن أفعالهم وحدها تكفي.

‏المقاومة اليوم ليست مجرد كلمة تُقال، بل فعلٌ يوميّ يُكتَب بالعرق، ويُختَم بالتضحية. شبابٌ تركوا خلفهم تفاصيل الحياة البسيطة—مقاهيهم، ضحكاتهم، وأيامهم العاديّة—ليصنعوا لنا أيامًا أقل قسوة. هم لا يعيشون الحرب كخبر عاجل، بل كحقيقة مستمرة، يواجهونها بثباتٍ يكاد يُحرج الخوف نفسه.

‏في الميدان، تُصنع الإنجازات بصمت. لا ضجيج يرافقها، ولا استعراض. فقط نتائج تتراكم، وواقع يُعاد تشكيله ببطءٍ لصالح البقاء. هؤلاء الشبان لا يرفعون شعاراتٍ فارغة، بل يرفعون وطنًا كاملاً من الانكسار.

‏أما هنا، حيث النزوح صار عنوانًا ثقيلًا، فالحكاية مختلفة في شكلها، واحدة في معناها. أناسٌ اقتُلعوا من بيوتهم، لكنهم لم يُقتلعوا من انتمائهم. يحملون مفاتيح بيوتهم كأنها وعد، لا كذكرى. ينتظرون العودة، لا كحلمٍ بعيد، بل كحقٍّ مؤجَّل.

‏وفي هذا التوازي القاسي بين جبهةٍ تقاتل، وناسٍ تنتظر، يولد شيء يشبه الأمل. ليس الأمل الساذج، بل ذاك الذي يعرف حجم الخسارة، ويُصرّ رغم ذلك أن الحياة تستحق.

‏المقاومة لا تحمي الأرض فقط، بل تحمي المعنى. تعيد للناس ثقتهم بأن هناك من يقف في وجه الانكسار، من يرفض أن تكون النهاية كما يريدها العدو. وهذا بحد ذاته إنجاز لا يُقاس بالأرقام.

‏اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة أن نُمسك بهذا الأمل، أن نُعطيه مساحة في قلوبنا، كما نعطي للحزن مكانه. لأن الذين يقاتلون هناك، لا يفعلون ذلك ليبقوا وحدهم في المواجهة، بل ليمنحوا كل واحدٍ منا فرصة أن يؤمن أن الغد ممكن.

‏وفي النهاية…

‏هذا الوطن لم يُبنَ بالراحة، ولن يُحمى بالتعب فقط، بل بالإيمان الذي لا ينكسر.

‏إيمانٌ يشبه هؤلاء الشبان، ويشبه كل نازحٍ ما زال يقول: سنعود.

مقالات ذات صلة