المقالات والسياسه والادب

حِينَ جَلَسَ الوَجَعُ فِي مَكَانِي

‏بِقَلَمِ الكاتِبَةِ إِيمَان نَجَّار

حِينَ جَلَسَ الوَجَعُ فِي مَكَانِي

‏لَا أَعْرِفُ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ فَقَدْتُ يَقِينِي بِأَنَّنِي وَحْدِي.

‏كُنْتُ أَجْلِسُ فِي صَمْتِي كَمَنْ يَجْلِسُ دَاخِلَ بِئْرٍ لَا مَاءَ فِيهِ، وَيُصْغِي إِلَى ارْتِدَادِ نَفْسِهِ.

‏وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ سَاكِنًا عَلَى نَحْوٍ مُرِيب… السُّكُونُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الطُّمَأْنِينَةَ، بَلْ يُشْبِهُ غُرْفَةً تُرَتَّبُ لِشَيْءٍ لَا يُقَالُ.

‏ثُمَّ شَعَرْتُ أَنَّ فِي دَاخِلِي حَرَكَةً.

‏لَا… لَيْسَ فِي دَاخِلِي.

‏بَلْ أَمَامِي.

‏كَأَنَّ الوَجَعَ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَوْضِعِهِ القَدِيمِ فِي صَدْرِي وَيَجْلِسَ قُبَالَتِي.

‏لَمْ يَأْتِ بِصُورَةِ عَدُوٍّ، وَلَا بِمَلَامِحِ كَارِثَةٍ.

‏جَاءَ بِهُدُوءِ الحُكَمَاءِ… وَهَذَا مَا أَخَافَنِي.

‏جَلَسَ، وَوَضَعَ المَسَافَةَ بَيْنَنَا كَأَنَّهَا طَاوِلَةُ مُفَاوَضَاتٍ.

‏الْتَفَتَ إِلَى عَقْلِي أَوَّلًا.

‏فَرَأَيْتُ عَقْلِي لِلْمَرَّةِ الأُولَى لَا يُجَادِلُ، بَلْ يُبَرِّرُ.

‏كَأَنَّهُ مُوَظَّفٌ مُرْهَقٌ يَشْرَحُ لِلْخَرَابِ أَسْبَابَ تَأَخُّرِهِ.

‏ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَلْبِي.

‏وَيَا لِلْمَشْهَدِ…

‏لَمْ أَرَ قَلْبِي يَوْمًا بِهَذِهِ الطَّاعَةِ.

‏كَانَ يَبْدُو كَبَيْتٍ قَدِيمٍ فَتَحَ نَوَافِذَهُ لِلْعَاصِفَةِ لِأَنَّهُ تَعِبَ مِنْ تَرْمِيمِ الزُّجَاجِ.

‏وَفَهِمْتُ فَجْأَةً أَنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ خُصُومَةً بَيْنَ العَقْلِ وَالقَلْبِ كَمَا كُنْتُ أَظُنُّ.

‏كَانَ الوَجَعُ أَذْكَى مِنْ أَنْ يُحَارِبَ أَحَدًا.

‏كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا… وَيُتَرْجِمُ.

‏يَأْخُذُ خَوْفَ العَقْلِ وَيُعْطِيهِ لِلْقَلْبِ عَلَى هَيْئَةِ حَنِينٍ،

‏وَيَأْخُذُ ضَعْفَ القَلْبِ وَيُعِيدُهُ إِلَى العَقْلِ عَلَى هَيْئَةِ حِكْمَةٍ.

‏حَتَّى لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنْهُمَا يَعْرِفُ:

‏هَلْ مَا يَشْعُرُ بِهِ حَقِيقَةٌ… أَمْ صِيَاغَةٌ أَنِيقَةٌ لِلِانْهِيارِ؟

‏أَرَدْتُ أَنْ أَصْرُخَ فِيهِ: مَنْ أَنْتَ؟

‏لَكِنَّ السُّؤَالَ انْكَسَرَ دَاخِلِي قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ.

‏لِأَنِّي رَأَيْتُ شَيْئًا مُرْعِبًا…

‏أَنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا.

‏كَانَ يُشْبِهُنِي أَكْثَرَ كُلَّمَا أَطَلْتُ النَّظَرَ.

‏عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ لَمْ يَعُدْ فِي دَاخِلِي مَا يَكْفِي مِنَ الفَوْضَى لِأَفْهَمَ الفَوْضَى.

‏صَارَ كُلُّ شَيْءٍ هَادِئًا بِشَكْلٍ يُخِيفُ أَكْثَرَ مِنَ الِانْهِيارِ.

‏العَقْلُ لَمْ يَعُدْ يَتَكَلَّمُ.

‏لَيْسَ لِأَنَّهُ اقْتَنَعَ… بَلْ لِأَنَّهُ اسْتَنْفَدَ صَوْتَهُ.

‏وَالقَلْبُ…

‏لَمْ يَعُدْ يَنْبِضُ كَمَعْنًى،

‏بَلْ كَأَثَرٍ مُتَأَخِّرٍ لِشَيْءٍ انْتَهَى وَلَمْ يُعْلِنْ انْتِهَاءَهُ.

‏فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، لَمْ أَعُدْ أَرَاهُ.

‏وَلَا أَرَى نَفْسِي أَيْضًا كَمَا كُنْتُ.

‏كُلُّ مَا بَقِي…

‏هُوَ شَخْصٌ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ خَرَجَ مِنَ المَعْرَكَةِ،

‏أَمْ أَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى شَكْلِهَا النِّهَائِيِّ.

مقالات ذات صلة