خلف أسوار النرجسي: القصة الأبدية بين رغبة الاستبداد وهشاشة الضحية

خلف أسوار النرجسي: القصة الأبدية بين رغبة الاستبداد وهشاشة الضحية
بقلم …د.ذكاء رشيد
في العلاقات الإنسانية المعقدة، كثيرًا ما نطالع ثنائيًا يتكرر بشكل يثير التساؤل والأسى: رجلٌ يرى نفسه مركز الكون، وامرأةٌ جعلت من طيبتها وقودًا لاحتراقها. هو نرجسي يعشق إصدار الأوامر، وهي “الطرف المتفهم” الذي يجد نفسه تدريجيًا تحت مقصلة الدكتاتورية العاطفية. لكن، وراء هذا القناع الجليدي من التعسف، تكمن جذور غائرة في الماضي، تفسر – ولا تبرر – لماذا يثور هذا الرجل كلما حاولت شريكته “التنفس” خارج رغباته.
بروفايل النرجسي: لماذا يعشق الأوامر ويكره الإصغاء؟
بالنسبة للنرجسي، الإصغاء ليس مجرد مهارة تواصل، بل هو “تهديد”. أن يصغي إليك يعني أن يعترف بأن لك كيانًا مستقلًا وأفكارًا قد تضاهي أفكاره، وهذا ما لا يطيقه. هو يفضل التعسف لعدة أسباب؛ أهمها “وهم الكمال”، فهو يرى أن رأيه هو الحقيقة المطلقة، وأي نقاش هو “تمرد” يستوجب القمع. كما أن السيطرة بالنسبة له درع حماية، فطالما هو المحرك، فلن يتمكن أحد من مفاجأته أو جرحه.
الجرح الغائر: ماذا حدث في طفولة هذا المستبد؟
علم النفس لا يرى النرجسي كـ “شرير” وُلد هكذا، بل كضحية لبيئة مشوهة. غالبًا ما تعود جذور استبداده إلى سيناريوهين في صغره: إما الإهمال والقسوة المفرطة، حيث نشأ في بيئة لم يُسمع فيها صوته، فتعلم أن الطريقة الوحيدة للنجاة هي “الصراخ” وفرض السيطرة؛ أو الدلال الفارغ كـ “طفل معجزة” لم يوضع له حدود، فأصبح يرى الآخرين مجرد أدوات لتنفيذ رغباته. النرجسي في داخله طفل مرعوب من التهميش، يغطي هذا الرعب برداء من الجبروت.
المعادلة السامة: الطيبة في مواجهة الغضب
لماذا تستمر “الضحية” الطيبة في هذه العلاقة؟ ولماذا يثور هو بجنون عند محاولتها التمرد؟ عندما تحاول الشخصية الطيبة استرداد عافيتها وقول “لا”، يشعر النرجسي بـ “الجرح النرجسي”. هذا الغضب المستشيط ليس نابعًا من الحب، بل من الخوف من فقدان السيطرة. هو يرى تمردها خيانة للنظام الذي وضعه، فيلجأ إلى الغضب كأداة لترهيبها وإعادتها إلى مربع “الاستغلال”. أما هي، فغالبًا ما تقع في فخ “الإصلاح”، معتقدة أن حنانها سيداوي جروحه القديمة، غافلة عن أن النرجسي لا يحتاج إلى “حبيبة مداوية” بقدر ما يحتاج إلى مواجهة حقيقية مع متخصص وعمل عميق على ذاته.
خاتمة : انكسار القيد.. وبزوغ الذات
وفي نهاية المطاف، يبقى الصراع بين النرجسي المستبد والروح الطيبة صراعاً بين “عتمة الماضي” و”نور الوعي”. إن هذا الرجل الذي يرتدي قناع الجبروت ليس إلا طفلاً خائفاً قرر أن يحكم العالم لكيلا يحكمه أحد، لكن استبداده يظل قصراً من رمال ينهار أمام أول صرخة حرية حقيقية.
أما تلك الروح التي أرهقها العطاء، فعليها أن تدرك أن “الطيبة” التي لا تحمي صاحبها ليست فضيلة، بل هي استنزاف. إن التمرد على النرجسي ليس مجرد غضب، بل هو إعلان استقلال، وبداية لترميم الشروخ التي خلفها زمن السطوة. فالحياة أقصر من أن تُقضى في انتظار إنصاف من لا يرى إلا نفسه، وأجمل من أن تُهدر خلف أسوار دكتاتورية عاطفية لا تتقن إلا الهدم.
آن الأوان لتلك الشخصية الطيبة أن تغادر دور “الضحية”، وتدرك أن حكايتها لم تنتهِ بعد؛ فخلف كل “لا” حازمة في وجه الطغيان، تولد امرأة جديدة، لا تهوى السيطرة، لكنها أبداً لن تقبل الخضوع.


