زهدتُ من كل شيء

بقلم: نور شاكر
زهدت في الحياة، وزهدت عمن عرفتهم يوما، حتى غدت وحدتي أرحم من ضجيج الوجوه، وأصدق من كثير من الكلمات التي قيلت باسم المحبة وهي خالية من معناها.
زهدت في الوعود التي تتبدد مع أول ريح، وفي العلاقات التي ترهق القلب أكثر مما تمنحه من طمأنينة وسلام.
زهدت حتى تلتئم الجراح التي أثقلت روحي، وحتى أعيد إلى نفسي ما فقدته منها في طرقات الانتظار الطويل.
زهدت لأمنح قلبي فرصة ليلتقط أنفاسه بعد أعوام من الخذلان، ولأجمع شتات روحي التي بعثرتها خيبات لم أكن أتوقعها ممن كانوا يوما أقرب الناس.
أدركت أن بعض البعد نجاة، وأن بعض الصمت راحة، وأن الانسحاب من المعارك التي لا تثمر إلا الألم ليس ضعفا، بل حكمة يتعلمها المرء بعد أن يدفع ثمن اندفاعه مرارا.
وأدركت أن قضية النفس أولى من كل حب لا يستحق الوفاء، وأعظم من كل علاقة تطفئ نور القلب بدلا من أن تضيئه.
زهدت في كل حرب لا تستحق أن يستنزف فيها العمر، وفي كل جدال لا يورث إلا مزيدا من التعب، وفي كل طريق أسير فيه وحدي بينما يتظاهر الآخرون بالمرافقة.
فما عاد يغريني أن أكسب الناس وأخسر نفسي، ولا أن أرضي الجميع بينما تتراكم الندوب في داخلي بصمت.
واليوم، لا أبحث عن كثرة الرفاق، ولا عن صخب المجالس، ولا عن الأحاديث العابرة التي تملأ الوقت وتفرغ الروح.
كل ما أرجوه سلام يقيم في القلب، وطمأنينة لا ترتبط بأحد، وقوة تجعلني أمضي في طريقي دون أن ألتفت إلى ما مضى.
فقد تعلمت أن الإنسان حين ينصت إلى نفسه بصدق، ويداوي جراحه بصبر، ويقدم سلامه الداخلي على كل شيء، يصبح أكثر قدرة على الاستمرار، وحينها فقط يدرك أن بعض الزهد ليس هروبا من الحياة، بل عودة صادقة إلى النفس.


