المقالات والسياسه والادب
ضجيج الرحيل كتبت/د/شيماء صبحى

ضجيج الرحيل
علمتني أقدار الله: أن الحياة لا تُجامل أحدًا، وستأخذ منك لتُعلّمك، وتُوجعك لتُقويك، ستخذلك لتُريك من يستحقك، وتُظلمك لتُدرك قيمة النور، لن تمنحك السعادة مجانًا، ولن تهديك النجاح بلا ثمن، لكنها دائمًا تمنحك فرصة للنهوض من جديد، فلا تجزع من خسارة، ولا تحزن على ما فات، فربما في الألم حكمة وفي التأخير خير، وفي النهايات بدايات أجمل مما تتخيل، ومدار الأمر على ماعند الله لا ماعند الناس
فليس هناك أبشع من قلة الأصل والأدب حين تظهر لك حقيقة أناس لم يروا منك غير كل خير، فالشخص المؤذي للآخرين لن يقتنع ابدا انه مؤذي فلا وجود لضمير عنده يؤنبه، بل بالعكس سيظهر للناس بصورة الضحية و يبين بخبث و دهاء انه هو المجني عليه
كم كان مؤلما شعور د. أحمد خالد توفيق عندما قال: شيء ما بداخلي يمنعني من الإتكاء على أحد، يمنعني من الثقة المفرطة دائمًا وكأن لسان حاله يقول: كُلّ الّذين سَكنُوا فؤادِيَ فَارَقوا، وظَللْتُ صَبّا تحتوينِي الأنجمُ، كُلّ الذين أمِلتُ يومًا قُربَهم، اليومَ قلبِي مِنهمُ مُتألمُ
سلامًا لمن يخفون أحزانَهم وبراكينَ همومِهِم بالهدوء والإبتسامات الجميلة، لمن يؤثرون الكتمانَ على البوحِ… لمن في ملامحهم ينعكس جمالُ الصبرِ والقناعة، لمن لايعرفون الكرهَ والحقدَ ويلتمسون العذرَ لغيرهم دائمًا… للذين مهما صعبتْ عليهم الحياة لايفقدون إيمانهم؛ سلامًا وألف سلام إليهم
فكل شخص مهما بلغ صبره وسعة صدره ، له حدٌ لا يتجاوزه فى إحتماله للأذى ، قد يدهشك بلطفه ، بتسامحه المُتكرر ، وكأن ما يفعله الآخرون لا يمس قلبه ، لكن مع الوقت ستُدرك أن الصمت ليس رضى ، وأن الإبتسامة قد تُخفي خيبة كبيرة ، ستراه كما كان هادئًا ، مبتسمًا ، لكنه لن يكون كما كان معك ، ستجد المسافة بينكما قد زادت دون ضجيج ، وستفهم حينها أنه إختار الرحيل بصمت ، تاركًا خلفه كل ما أرهقه
كلَّما ازداد الإنسان وعيًا وعمقًا ووحيّاً وعقليّاً، كلَّما أدركَ أن الكثير من النقاشات والعلاقات ليست سِوى إستنزافٌ لطاقته وتعكير صفو سلامِه الداخليّ، كلَّما نضج الإنسان أصبح يبحث عن مَن يَفهمه لا مَن يُعجَب به، عمَن يتقبَّله لا مَن يُحبُّه، عمَن يُشاركه لا مَن يُقيّدهُ
وستدرك في يومًا ما أن العلاقات لا تسير بقانون العيش والملح، ولا حتى وجودها ضرورة لكي تجد فيها الأصالة من عدمها، فقد تجد فيمن لا تعرفه شهامةً تفوق كل من عرفت، وقد تجد فيمن تعرفه نذالةً تفوق كل من كرهت، لهذا لابد أن نتوقف عن تقييم العلاقات كأنها مطابخ ليصبح العيش والملح جزءاً منها
واخيرا
من أصدق ما قرأت في حياتي الحياة الخاصة دائمًا تنتصر



