المقالات والسياسه والادب

فاجعة في العراء حين يقف الأهل والأطباء عاجزين أمام وجع الصغار

بقلم د. ذكاء رشيد
​ليس هناك ما هو أشد إيلامًا للبشرية من رؤية طفل يصارع مرضًا نهش جسده الغض، بينما يقف الوالدان والأطباء على حد سواء في حالة من الذهول والعجز مطلق اليدين. عندما يتحول “الأمل الطبي” إلى تساؤلات بلا إجابات، وتغدو الأدوية مجرد مسكنات واهية أمام وحش يلتهم العافية يوماً بعد يوم، تدخل الأسرة بأكملها في نفق مجهول التضاريس.
​زلزال روحي: الحالة النفسية للأهل
​تتحول حياة الوالدين عند مواجهة مرض استعصى على الطب إلى سلسلة متواصلة من الصدمات النفسية المركبة، ويمكن تكثيف تفاصيلها في المحاور التالية:
​العجز المكتوف والذنب اللاعقلاني: الشعور بالفقدان المطلق للسيطرة هو القاتل الصامت للأهل. يرافق ذلك جلد ذات حاد وشعور غير مبرر بالذنب، وكأنهم أخفقوا في حماية “فلذة كبددهم” من الخطر.
​الإجهاد التراكمي وتشتت الهوية: يعيش الوالدان حالة ترقب دائم وزعر من المجهول، مما يؤدي إلى إنهاك عصبي ونفسي جسيم، وتتضاءل لديهم أي رغبة في ممارسة الحياة الطبيعية أو الشعور بالبهجة.
​إنكار الواقع والبحث عن معجزة: يتأرجح الأهل بين الإنكار المبدئي، والتقصي المستمر عن أي قشة أمل، ثم الانهيار أمام الحقائق الجافة، مما يولد صراعًا داخليًا بين العاطفة والأمر الواقع.
​عالم مستقطع: الحالة النفسية للطفل المريض
​على الجانب الآخر، يخوض الطفل تجربة قاسية لا تقتصر على الألم الجسدي فحسب، بل تمتد لتشوه إدراكه للبيئة المحيطة به:
​الخوف من المجهول وفقدان الأمان: لا يفهم الطفل بالضرورة المصطلحات الطبية المعقدة، لكنه يستشعر نظرات الخوف في عيون أهله، مما يزرع فيه شعورًا عميقًا بعدم الأمان والوحشة.
​الغضب والإحباط من الانعزال: العجز عن اللعب ومشاركة الأقران والتغيرات الجسدية المفاجئة تسبب للطفل نوبات من الغضب والانطواء، متسائلاً ببراءة عن السبب الذي يجعله مختلفًا ومتألمًا.
​التعلق الزائد بالوالدين: يصبح الطفل أكثر إلحاحاً في طلب القرب البدني والعاطفي من والديه، مستمدًا منهما طاقته الصمودية الأخيرة لمواجهة طقوس العلاج والفحوصات القاسية.
​إن دعم العائلات التي تخوض هذه المعارك اللاإنسانية يتطلب تكاتفًا مجتمعيًا ونفسيًا لا يقل أهمية عن الرعاية الطبية، فالوقوف بجانبهم ليس مجرد تعاطف، بل هو شريان الحياة الأخير لمساعدتهم على تحمّل هذا الثقل غير المحتمل.

مقالات ذات صلة