ضربة وعي

ضربة وعي
بقلم نور شاكر
ستعي الحياة يومًا وتدرك بعد الكثير من التجارب أن ما كان يقهرك حقًا ليس الظلم بحد ذاته بل ذلك الشخص الذي اختار أن يظلمك رغم معرفته بمقدار الأذى الذي سيتركه في قلبك فالألم لا تصنعه الأفعال وحدها بل يصنعه من صدرت عنه تلك الأفعال
وستكتشف أن الحب لم يكن يومًا هو ما أوجعك فالحب في جوهره شعور نبيل يمنح الطمأنينة والأمان لكن الوجع كان في غياب التقدير وفي الطريقة التي أُهين بها ذلك الحب وفي القلوب التي لم تعرف كيف تحافظ على المشاعر التي أُهديت لها بصدق
وستدرك أن العطاء لم يكن المشكلة أبدًا فالعطاء قيمة عظيمة لا تنتقص من صاحبها مهما كانت النتيجة لكن المشكلة كانت فيمن قدمت له ذلك العطاء وفيمن اعتاد الأخذ دون امتنان واستقبل المعروف وكأنه حق لا فضل فيه لأحد
وستفهم أن العيب لم يكن يومًا في الرحيل فلكل إنسان الحق في أن يغادر حين تنتهي مشاعره أو تتغير قناعاته لكن العيب كان في الطريقة التي تم بها الرحيل في الأسلوب الذي أهان العِشرة وفي التصرفات التي بعثرت الذكريات الجميلة وشتّتت الحقائق وشوّهت كل ما كان صادقًا ونقيًا لم يكن الألم في النهاية نفسها بل في الطريقة التي جعلت كل ما مضى يبدو وكأنه لم يكن يومًا ذا قيمة
وستتعلم أن المشكلة ليست دائمًا في سوء الظن بل في بعض الأرواح التي تفيض وضاعة وفي النفوس التي اعتادت الخداع والتزييف حتى جعلت الثقة أمرًا صعبًا والحذر ضرورة فرضتها التجارب
ومع مرور الوقت ستنكشف لك حقائق كثيرة وستفهم أن المشكلة لم تكن في الحب ولا في الوفاء ولا في الطيبة ولا في حسن النية ولا في الصفات الجميلة التي حملتها في قلبك بل كانت في أشخاص لم يعرفوا قيمة ما مُنح لهم وفي نفوس لم تُحسن سوى الهدم حين عجزت عن الحفظ والتقدير
ستكتشف أن الأشياء الجميلة لا تتحول إلى أشياء سيئة بطبيعتها وإنما تبهت حين تقع في الأيدي الخطأ وحين تُقابل النوايا الصادقة بالجحود والقلوب المخلصة بالخيانة والعطاء بالنكران
وعندها فقط ستدرك أن العيب لم يكن فيك ولا في مشاعرك ولا في صدقك ولا في الصفات التي ظننت يومًا أنها سبب معاناتك بل كان فيهم هم وفي الطريقة التي جعلوا بها كل شيء يبدو أكثر سوءًا مما هو عليه في الحقيقة وستؤمن أن نقاء قلبك لم يكن خطأ وأن وفاءك لم يكن ضعفًا وأن ما خسرته لم يكن قيمتك بل أشخاصًا لم يعرفوا قيمة ما كان بين أيديهم إلا بعد فوات الأوان



