المقالات والسياسه والادب

ضمير على حافة الرحيل..بقلم: مستشار محمود السنكري

ضمير على حافة الرحيل

بقلم: مستشار محمود السنكري

لم يعد غياب الضمير مجرد ظاهرة فردية أو انحرافًا بسيطًا عن القيم، بل أصبح مرضًا ينهش روح المجتمع. تُباع المبادئ في أسواق المصالح، ويُدهس الحق تحت أقدام الأطماع، ويُعلَّق الصدق على مشانق الكذب والخداع. صار الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يقدّمه، وبما يحقّقه من مكاسب لا بما يحمله من قيم.

لقد ماتت ضمائر كثيرة، أو كادت… وكم من ابتسامة تخفي خلفها خنجرًا، وكم من يدٍ تمتدّ للمصافحة وهي تُخفي الغدر في ظهرها!

لكن ورغم هذا الظلام، لا تزال هناك شعلة أمل تنتظر من ينفخ فيها لتشتعل من جديد. فضمير الإنسان لا يموت تمامًا، بل يختبئ خلف ضجيج الشهوات وزيف الدنيا، وينتظر من يوقظه، من يعيد إليه الحياة والنبض.

هل خذلنا الحق؟ هل بعنا إنسانيتنا؟ أسئلة يجب أن تطرق قلوبنا قبل عقولنا، لنراجع ما آل إليه حالنا في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وارتدت الفضيلة ثوب الغباء، وارتدى الفساد ثوب الذكاء والمكر.

إن نصرة الحق لا تحتاج قوةً بقدر ما تحتاج ضميرًا يقظًا يرى الحقيقة ولو تزيّن الباطل، ويقف ثابتًا ولو تهاوت من حوله المبادئ. فالحق لا يضيع حقيقةً… بل يُهمل حين يصمت أصحابه.

ولن يتحقق الإصلاح إلا إذا عاد الضمير إلى مكانه الطبيعي: حارسًا للإنسانية، ودرعًا للضعفاء، وميزانًا للعدل، فإذا صلح الضمير صلح كل شيء، وإذا مات… ماتت كل قيمة نبيلة في الوجود.

وفي نهاية المطاف… لسنا بحاجة إلى المزيد من الوجوه، بل إلى المزيد من القلوب الحيّة. لسنا بحاجة إلى قوانين تُكتب بقدر ما نحتاج إلى ضمائر تستيقظ ، فالقانون بلا ضمير يصبح أداة بطش، والقوة بلا حق تصبح طغيانًا.

معركتنا اليوم ليست معركة سيوف ولا رايات، بل معركة أخلاق وضمائر. فإن انتصر الإنسان على شهواته وأطماعه، انتصر المجتمع كله، وإن خسر معركته مع نفسه… خسر كل شيء، مهما ربح من دنيا زائلة.

لن يموت الحق ما دام في الناس قلبٌ واحد يؤمن به ويقف لنصرته، ولو كان وحده في بحر من الصمت والانهزام!

فليكن لكل واحد منا كلمة، موقف، خطوة صغيرة نحو الخير… فإن شرارة واحدة قادرة على تبديد عتمة كاملة، وإن قلبًا واحدًا إذا نهض بصدق، قد يغيّر وجه الأرض.

فأحيوا ضمائركم… قبل أن تُدفن معكم.

مقالات ذات صلة