عذر متأخر

عذر متأخر
بقلم الكاتبة إيمان نجار
أحيانًا، يأتي الإعتذارُ كضوءٍ خافتٍ يُضاءُ بعد احتراقِ المدينة…
كَمَن يُلقي الماءَ على رمادٍ، ويظنّ أنه يُنقذُ الغابةَ من الإحتراقِ.
يأتي الإعتذارُ كطبيبٍ وصلَ بعدَ أن لفظَ المريضُ أنفاسَه،
يحملُ حقيبَتَه وابتسامتَه المكسورة،
ويقول: “كنتَ في الطريقِ… تأخّرت قليلاً.”
الإعتذارُ المتأخّر…
كصوتِ الطَرقِ على بابٍ لم يعد فيه أحد.
كزهرةٍ توضَع على قبرِ الحب، لا تُعيدَه، لكنها تُؤلم الذاكرة.
هو الغصنُ الذي يعتذرُ للشجرةِ بعد أن صار حطبًا في مواقدِ الآخرين.
أؤمنُ أن بعضَ الكلماتِ تُشفي،
لكنّ بعضُها الآخر… يأتي متأخرًا كطلقةِ الرحمةِ بعد الموت.
فلا تقول: “آسف”…
وأنت تمشي فوق الشظايا التي خلّفتها،
كأنك لم تكن العاصفة.
جئتَ تعتذر؟
الآن؟ بعد أن ذبُلت زهرةُ الإنتظارِ في صدري؟
بعد أن صار الإعتذارُ سكينًا يذكّرني كم مرّة صَمِتُّ وأنا أُذبح؟
فلا تعتذر،
لأن جرحَك لم يُشفَ، بل تجمّد.
ولأن قلبًا تألم في غيابك،
لن تطيبَه كلمةٌ بعد فوات الوقت
لا تُغرّك ملامحي الهادئة…
فأنا التي ابتلعتُ الغصّاتَ كي لا تتسرّب صرخاتي للعابرين.
أنا التي أغلقتُ الأبواب على وجعي، كي لا تُؤذى مشاعر من كسرني.
فلا يغرّك طُهري،
فأنا قد غفرتُ كثيرًا، لا لأنني متسامحة،
بل لأني تعبت من ثِقلِ الأذى، ومن مرارةِ المواجهةِ
جاء اعتذارُك بعد الخراب،
فلا تطرقُه على أبوابٍ أغلقتْها النكبات،
لأن بعضَ الأبواب…
إن انكسرت مرة، لا تُفتح مرتين.
وبعضَ القلوب…
إن توجعت بصمت، تُحبّ بصمت، وتموت بصمت،
لكنها لا تنسى.
فاحذر أن تزرعَ الألمَ،
ثم تأتي بعد المواسمِ لتقطُف الصَّفحَ



