المقالات والسياسه والادب
عن أي أخلاق تتحدثون بقلم محمود جاب الله

عن أي أخلاق تتحدثون
تابعنا في الأيام الماضية الجدل المثار حول تصريحات السيد نقيب المهن التمثيلية، وما تضمنته من إشارات حول القيم والأخلاق ومعايير العمل الفني. وبغض النظر عن تفاصيل الخلاف النقابي، فإن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: عن أي أخلاق نتحدث حين نتناسى رموزنا؟
إن “ماما نحوي” ليست مجرد شخصية عابرة في ذاكرة المشاهد المصري والعربي، بل هي رمز لمرحلة بأكملها، مرحلة الزمن الجميل. جيل تربى على صوتها، على احترامها، على فنها الراقي الذي كان يدخل كل بيت دون استئذان، محملاً بقيمة تربوية قبل أن يكون مادة ترفيهية. كانت تقدم الفن بمعناه الحقيقي: رسالة، وأخلاق، وقدوة.
إن الحديث عن الأخلاق لا يستقيم إذا بدأ بمحاكمة الرموز التي علمتنا الأخلاق. فالأخلاق ليست نصاً في لائحة نقابية، ولا بنداً في ميثاق شرف، بل هي سيرة وتاريخ وعطاء ممتد لسنوات. ومن غير المنطقي أن يأتي اليوم الذي نضع فيه من أفنت عمرها في تقديم فن محترم في قفص الاتهام، بينما نغض الطرف عن موجات من الابتذال التي تغزو الشاشات ومنصات التواصل بلا ضابط.
إن دور النقابة، وهو دور نقدره ونحترمه، هو حماية المهنة وحماية أعضائها، الكبير قبل الصغير، والرمز قبل الناشئ. فالنقابات وجدت لكي تكون سكناً وحماية، لا ساحة للمزايدة على تاريخ أبنائها. وحين يصبح الرمز محل تساؤل، فعلى المؤسسة النقابية أن تكون أول من يدافع عنه، لا أول من يلمح ضده.
نحن لا ندافع عن شخص بعينه بقدر ما ندافع عن فكرة. فكرة احترام الكبير، وتقدير العطاء، وصون الذاكرة الفنية المصرية التي هي جزء أصيل من قوة مصر الناعمة. فإذا فقدنا احترامنا لرموزنا، فعن أي أخلاق نتحدث بعد ذلك؟
إن الفن المصري لم يبق صامداً لأكثر من مائة عام إلا لأنه كان قائماً على أكتاف هؤلاء الكبار. واليوم، ونحن نتصارع على “الترند” و “الريتش”، نحتاج أكثر من أي وقت مضى أن نعود إلى مدرسة الزمن الجميل، أن نتعلم من “ماما نحوي” وأمثالها كيف يكون الفنان محترماً في فنه، محترماً في بيته، محترماً في كلمته.



