المقالات والسياسه والادب
غياب المنطق وغلبة الشاشة

ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
غياب المنطق وغلبة الشاشة
*
أين المنطق؟.. بين صمت المعارض واغتراب الشاشات
تساءل أحد الكُّتَّاب مؤخراً بحسرة وهو يصف واقع معرض الكتاب في بيروت هذا العام:
«كيف يتبادل الكُّتَّاب كتبهم فيما بينهم، في ظل غياب القراء والطلاب؟ “فأين المنطق في كل ما يجري؟”»
وعندما نسأل عن “المنطق”، علينا أولاً أن نتساءل: هل بقي للمنطق مكان في عالمٍ ركن كلياً لسطوة “السوشيال ميديا” والشاشات البكماء إلا عندما نشغلها نحن؟
أصبح الورق غريباً والقلم مُغرَّباً، ربما عن الكُتَّاب أنفسهم؛ فالأسهل للبعض اليوم هو الكتابة على الهاتف.. ربما لأن خط الكتابة اليدوية أضحى يصعب قراءته بفعل الشيخوخة؟ وحتى إن كان الكاتب شاباً، أضحى الهاتف أو الحاسب اللوحي هو الأسرع والأسهل، خوفاً من أن تشتت عملية البحث بكثرة الأوراق المكتوبة باليد
إن عزوف الشباب والطلاب عن الكِتاب وركود المعارض ليس حدثاً معزولاً، بل هو نتيجة طبيعية لتفكك التواصل الإنساني في أعمق أشكاله.
أصبحنا نرى أسراً يجمعها سقف واحد وفي المجلس الواحد: إخوة، وأقارب، وأبناء عمومة، يبتعدون عن بعضهم بمسافات وهمية وهم يتسامرون ويتحادثون عبر تطبيق “الواتساب” بجمودٍ وصمت، رغم أنهم يجلسون جنباً إلى جنب!
أين ذهب حديث السُّمار؟
أين تدرجات نبرات الصوت البشري الممتلئ بالحياة، من نبرة الود الرقيقة إلى العتاب الدافئ، وحتى الشجار العفوي المحبب والراقي حول عبارة لم تعجب أحدهم في كتاب أو حديث؟ أين ضوضاء الصغار وضحكاتهم التي كانت تملأ الزوايا وتنفث الروح في البيت؟
لقد استبدلنا دفء اللقاء وحرارة النقاش برموز صماء على شاشة زجاجية.
وحين يفقد الإنسان قدرته على التواصل الحي مع أخيه الإنسان، وحين يغيب الحوار الشفهي المفعم بالحيوية، فكيف لنا أن نندهش إذا غاب شغفه بتقليب صفحات كتاب يقرأ فيه تجارب الحياة؟
إن العودة إلى الكِتاب تبدأ من العودة إلى الإنسان، ومن إعادة الروح إلى مجالسنا، وأصواتنا، ودفء تواصلنا الحقيقي..
٢٠٢٦/١٠/١٢


