كثيرًا ما نُسارع إلى إصدار الأحكام على الآخرين من خلال مظهرهم أو سلوكهم الأول، لكن مع الوقت إكتشفت أن ما نراه في الظاهر لا يعكس في الغالب الواقع . ومن خلال عملي كأستاذ في الثانوية، تبيّنت لي هذه الحقيقة أكثر من مرة. في قاعة الدرس، رأيت تلميذًا يتأخر باستمرار. للوهلة الأولى ظننت أنّه لا يقدّر قيمة الوقت، لكن حين علمت أنّه يرافق والده المريض صباحًا قبل أن يأتي إلى المدرسة، أدركت أنّ وراء التأخر مسؤولية تفوق عمره. كما صادفت تلميذًا لم يحضر أدواته في بداية السنة. بدا وكأنه غير مبالٍ، لكن الحقيقة أنه ينتمي إلى أسرة بسيطة لا تستطيع توفير ما يحتاجه من مستلزمات، ورغم ذلك كان يحمل رغبة صادقة في التعلّم. وهناك أيضًا من غاب عن الامتحان، فحسبه البعض غير مهتم بمستقبله، بينما كان في الواقع يعيش أزمة فقدٍ في عائلته. حتى ذلك الذي ضبطته نائمًا في القسم، لم يكن كسولًا، بل كان يعمل ليلًا ليعيل أسرته، فيأتي منهكًا لكنه متمسك بمواصلة الدراسة. لكن ليست كل التصرفات قابلة للتفهّم بشكل مباشر. أتذكر مرة تلميذة كانت مهملة في كتاب دروسها، فقررت معاقبتها بحرمانها من الحصة. حين حضرت أمها للدفاع عنها بشراسة، لم أرجع عن قراري، وقررت لاحقًا تجاهلها في القسم لفترة طويلة. لكنها لجأت إلى زملائي والمشرفين، محاولة استجداء العودة إلى علاقتنا الطبيعية، وكنت صامدًا. وبعد مدة، جاءت تبكي بحرقة، فحن قلبي وسامحتها. فرحتها كانت هستيرية؛ دخلت القسم تصرخ من الفرح لأنها شعرت بالقبول والمغفرة. حينها أدركت درسًا مهمًا: مهما كان الخطأ، لا يجب أن نحطم التلميذ. نحن نبنيهم، ولا يحق لنا أن نكسرهم. الحزم مهم، لكن التوجيه بالرحمة والإنصاف هو الأساس. كل هذه المواقف علمتني أن الحكم المتسرع سواء على تلاميذي أو حتى في واقعي المعاش يعتبر ظلم كبير ، وأنّ الفروقات الفردية في علم النفس التربوي يجب أن تكون قاعدة لفهم كل سلوك. فلكل تلميذ خلفيته الأسرية والاجتماعية والنفسية التي تؤثر على تحصيله وسلوكه. بعضهم يحتاج إلى دعم وتشجيع، وبعضهم يحتاج إلى مرونة في التعامل، بينما آخرون قد يحتاجون إلى توجيه صارم موجه بشكل تربوي، دون تحطيمهم. حيث أن التربية الحقيقية لا تعني أبدا التساهل المطلق ولا تعني أيضا القسوة بلا رحمة بل هي مزيج بين الحزم والرحمة ، تشجع وتراعي الظروف , لكن في نفس الوقت تعلم المسؤولية . رسالة إلى أبنائي التلاميذ: كل واحد منكم كتاب مفتوح يحمل قصة فريدة، ولا يجب أن تحكموا على أنفسكم أو زملائكم من صفحة واحدة فقط. اعملوا على اكتشاف قدراتكم، وكونوا صادقين مع أنفسكم، واطلبوا الدعم عند الحاجة. لا تخجلوا من ظروفكم، ولا تستخفوا بإمكانياتكم، فالقيمة الحقيقية تظهر عندما تمنحون أنفسكم فرصة للتألق والتغيير، بغض النظر عن الصعوبات. وهناك مثل شائع جدا يقول لا تحكم على الكتاب من غلافه ، وكذلك نفس الشيء مع الإنسان لا يمكن إختزاله في موقف واحد ، بل من طريق كاملة يقطعها في حياته .